آخر تحديث: 2019-11-12 00:48:38
شريط الأخبار

في معركة الوعي والتحرير.. على هامش مقابلة الرئيس الأسد مع قناتي «السورية» و«الإخبارية»

التصنيفات: رؤى عربية

في كلّ محطّة يتحدّث فيها الرئيس بشار الأسد تحضر معركة الوعي بوضوح، فهو لا يقف فقط عند المعطيات بل يباشرها بالتحليل وكأنّه في صدد معركة تستهدف إصلاح أعطاب الوعي السوري والعربي بعد سنوات من الشرذمة على حافّة الجسور التي تنتهي بخراب العمران العربي.. ودائماً تحضر عملية الفرز بين المشاعر والانفعال، في فهم الحدث من جهة أولى.. ومن جهة ثانية بين متطلّبات الدّولة من حيث إنها رؤية ومسؤولية أبعد مدى.. هذه المعركة لم تكن يوماً معركة انفعالات بل معركة تخطيط وتدبير ووعي ولهذا استطاعت أن تدفع الإرهاب كالقطيع ليجتمع في إدلب حيث لم يعد لهم مكان آخر يرحلون إليه سوى إلى تركيا.. أو إلى الجحيم.
كان ظهور الرئيس الأسد في هذه الآونة على شاشات القنوات الوطنية أمر في محلّه لأنّه سلّط الضوء على الكثير من القضايا محلّ تساؤل الرأي العام، ولقد قدّم ما هو جدير بإقناع من يريد أن يفهم، لأنّ القسم الآخر ينقسم إلى قسمين: من له المصلحة في ألّا يفهم، ومن «تسطّل» حتى بات عاجزاً عن الفهم، ولكن التّاريخ لا يتوقّف على إرادة فهم أولئك أو إلى حين أن يفيق «المسطولون» من سبات التطرّف والأمراض التي تشكل عائقاً نفسياً ومعرفياً للفهم.
إنّ المفتاح الأساس الذي قدّمه الرئيس الأسد في تحليل السياسة السورية في مواجهة الإمبريالية هو العمل على إصلاح الوعي المشوَّش لدى الشرائح التي ترزح تحت الاحتلال بما يعني إقامة آليات لإصلاح وعي الناشئة الذين ولدوا خارج منطق الدولة والوطن في كنف الإرهابيين المدعومين من أعداء سورية.. ولا بدّ كذلك من القضاء على «ثقافة» العمالة التي كانت سبباً في استقدام الاحتلال.. دور العملاء أصبح واضحاً في التنسيق مع القوات التي تحتل اليوم جزءاً من التراب السوري، فقد أظهر الرئيس الأسد أيضاً جانباً من سياسة سورية القائمة على العقلانية والأخذ بواقع الأشياء، ولهذا السبب نفى عدّ الأكراد خونة، – وطبعاً الحديث هنا عن بعضهم فقط لأن معظمهم وطنيون- لكن الرئيس الأسد أظهر مبدئياً رفض النزعة الانفصالية وعدّ أنه من حقّ الدولة السورية التصدّي لهذه النزعات.
في هذه النقطة تحديداً أظهر الرئيس الأسد أنّ سورية بلد منفتح، وإذا كانت منفتحة على بعض مكونات الشعب السوري فلا يمكن أن تكون منغلقة في وجه البعض الآخر، وقد ضرب مثلاً بالأرمن، فهم يحافظون على خصوصياتهم ولهم كنائسهم ومدارسهم ولكنهم عبّروا باستمرار عن وطنيتهم.. إذاً المشكلة هي في النزعة الانفصالية لدى البعض.. يميّز الرئيس الأسد بين الحق في التنوع – بل يعدّه غِنىً، وبين نزعة التفتيت وهي نزعة «يتترّس» بها أعداء فكرة الآخر وأعداء الخصوصيات والتنوع، كلّ يستغلّها في الاتجاه الذي يريده.
التنوع الثقافي في سورية غنى ترعاه الدولة، بينما كانت المشكلة مع العملاء هي محاولتهم تمزيق النسيج السوري وتخوين التنوع في سياق التفتيت بعد أن وضعته الدولة السورية في سياق الانصهار الوطني، ومن هنا كان لا بدّ من القول إنّ كل من يشير إلى التنوع كـ «خطر» هو جزء من هذه الثقافة الظلامية التي تصرّف نزعتها التكفيرية في تبشيع التنوع والخصوصية الثقافية، ولقد وجدت الحركات المتطرفة في الربط المغرض بين التنوع وبين التفتيت مصلحة لتمرير مشروع تكفيري مغالط، لأنّ التكفيري يطالب بتقويض التنوع الثقافي والخصوصيات ولكنه في الوقت نفسه ينسف فكرة الوطنية ويخرب الدّول.. لا يمكن أن يكون هناك موقف استئصالي ومتطور في الوقت نفسه، ولا يمكن أن يكون هناك موقف ضدّ التنوع وفي الوقت نفسه يزعم أنه موقف نضالي وتقدّمي، وهذا هو الامتحان الذي تجاوزته سورية.
أكد الرئيس الأسد أنّ عملية مواجهة الإرهاب وأيضاً محاربة الفساد تتمّ وفق إجراءات دقيقة للدولة ومن دون دعاية إعلامية، لقد أعطى فهماً لدور الدولة باعتبارها هي من تمثل إرادة الشعب، وهكذا ففي حديثه عن لجنة مناقشة الدستور كان واعياً بما قد يحاول البعض تمريره من مشاريع بينما أكّد أنّ سورية كدولة ليست طرفاً في هذه المفاوضات، ولكن وجهة نظر الحكومة حاضرة، وهي تمييز دقيق وذكيّ لكيلا يعتقد البعض أنّ الدولة طرف في هذه المفاوضات وبأنها قبلت بأولئك الذين يقولون إنهم يمثلون ما يسمى «المعارضة» إذ إنّ هؤلاء بالمعايير الديمقراطية لا يمثلون الشعب ولا أحد انتخبهم بل هم منتدبون من أطراف تحالف العدوان. وهناك وعي وحسم في قضية أن الانتخابات القادمة ستكون في ظلّ الدولة السورية من البداية حتى النهاية.
للدولة أولويات وحسابات تتجاوز حتى مشاعر الرئيس نفسه الذي عبّر عن أنّه في حال كان من المصلحة الوطنية أن يلتقي بأردوغان أو من في نظامه فسيتصرف وفق مصلحة الوطن حتى لو كان ذلك مثار اشمئزاز له، وبهذا يعطي الرئيس الأسد درساً في مفهوم الدولة.
أكد الرئيس الأسد على دور الدولة في محاربة الفساد، وأنّ مواجهة الفساد هي مواجهة جادة رغم الحرب والحصار، وأنّ هناك تعديلات تطول الكثير من القوانين والخروج من كل ما من شأنه أن يفيد الغموض في تنفيذ القوانين من قبيل «يجوز»، عادّاً أنّ تدقيق الصلاحيات بدأ من بعض صلاحيات الرئيس نفسه والتي تدخل في إطار ما يوحي به النّص أحياناً من بعض السلطات التقديرية، وبذلك منح للدولة معناها الحقيقي.. وللقانون معناه الحقيقي.
انخرط الرئيس الأسد منذ بداية الأحداث بل حتى قبلها في محاربة الفساد، وطبعاً هو يعترف بجوانب من القصور لدى بعض القطاعات لكن هذا لا يمنع من الحديث عن الجوانب الإيجابية، وفي حربه على الفساد يؤكد أنّ الأمر لا يتعلق بجهة دون أخرى بل الفساد يخضع لتشبيك، ومن هنا فالحرب على الفساد طالت مسؤولين في القطاع العام كما في القطاع الخاص.
يحضر مفهوم الدولة والوطن بشكل واضح في حديث الرئيس الأسد بينما يختفي هذا العنوان من خطاب التشكيلات الميليشياوية وما يسمى«المعارضة» المرتبطة بأجندات خارجية، لندرك أنّ الحرب كانت قائمة ضدّ سورية كدولة ووطن وشعب، ولكن لم يكن من المنتظر أنّ أعداء سورية سيكشفون عن سياستهم التي فضحها الميدان، بل سيتحدّثون بلغة مخملية تتعلّق بالحرية والديمقراطية وغيرها من المفاهيم المستهلكة في سوق لعبة الأمم.
في حديث الرئيس الأسد درس آخر يتعلق بالسيادة في تفاصيل ما تواجهه من تحدّيات، فهو على تنسيق مستمر مع الروسي والإيراني نظراً لأنهم يخوضون حرباً واحدة، ولا يقل حماس الروسي في محاربة الإرهاب عن حماس السوري، لكن هناك أولويات لممارسة السياسة.. أولويات في إطار مبدأ آمنت به روسيا منذ البداية وهو يتعلق بسيادة سورية على كامل أراضيها، وهذا في نظر الرئيس الأسد هو المهمّ، لكن لا بدّ من مراعاة التعقيدات والأولويات، وذلك لأنّ الدولة تحاول قدر الإمكان تجنّب الإضرار بالمدنيين وحقن دمائهم، وأيضا تعد من أولوياتها حقن دماء الجيش العربي السوري، لكن في نهاية المطاف لا بدّ من تدابير لإخراج الاحتلال التركي من منطقة الجزيرة السورية وهذا أمر يتمّ بكل الوسائل المتاحة.
قدم الرئيس الأسد رؤية متكاملة عما يجري، مؤكداً أنّ كل ما يجري متصل بالمشروع الأمريكي، كما إنّ «إسرائيل» حاضرة بقوة، وثمة محاولات لتشتيت الجيش السوري.. تدرك سورية تفاصيل هذه اللعبة، بل إن الرئيس الأسد نفى ما ذكره ترامب في شكره لمن ساعد على الوصول إلى البغدادي، عادّاً ذلك محاولة لمنح عمليته بعداً مهماً، بينما أكد – كما أكد الروسي من قبل – أنه لا علاقة لهم بما جرى ولم يعرفوا أو يطَّلعوا على تفاصيل ما جرى، مع الإشارة إلى مفارقة إخفاء تفاصيل مقتل البغدادي كما تم إخفاء جثة ابن لادن، مع إنّ منهجية أمريكا في قتل خصومها واضحة لناحية العرض بالصوت والصورة، كما في مثال صدام حسين.
تحدث الرئيس الأسد عن الإعلام ودوره في محاربة الفساد، كما أظهر دعم الدولة للإعلام في المساهمة بهذه المهمة التي لا يمكن أن تقوم فيها الدولة وحدها، ولكن علينا أن نحلل تلك الجمل والسياقات حتى لا يُفهم الكلام من دون قرينة السياق: – الإعلام الذي تحدّث عنه الرئيس الأسد هو إعلام وطني شريك في معركة الوعي، فهو إعلام وطني أوّلاً، ولا بدّ من الحديث هنا عن عدد الشهداء من الإعلاميات والإعلاميين الذين ارتقوا في هذه المعركة، حيث لم يتضامن معهم زملاء من الإعلام المعادي والمضلل الذي صفّق للإرهاب وعدَّ الاعتداء على الإعلاميين السوريين جزءاً من الحرب على «النظام»!.
– واجه الإعلام السوري الحرب الإعلامية على سورية وفكّك مغالطات العدو وتصدّى لتحريف الحقائق، كان الإعلاميون السوريون جنوداً في طليعة المعركة، أطاحوا بالإعلام المدعوم من الإمبريالية والرجعية وقدّموا صورة عن الميدان قاومت لعبة «كيّ الوعي» التي قام بها الإرهاب ومشغِّلوه.
– في المقابل لعب الإعلام المعادي دوراً في «تسطيل» الوعي لدى شرائح كثيرة، وتبنّى وجهة نظر الإمبريالية والرجعية والتنظيمات الإرهابية، وحاك حولها الكثير من الترانيم المستغْفِلة للرأي العام، ولكن كلّ هذا الهراء اضمحلّ، وكل هذا البهتان تحطّم على أرضية تفكّك الزّيف داخل سورية.
وفي نهاية حديثه ركّز الرئيس الأسد على مناهضة التخلف، والعمل على ما يعزّز التّقدّم.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed