آخر تحديث: 2019-11-12 00:48:38
شريط الأخبار

المبادئ الوطنية الكبرى.. والصمــود السوري الإعجازي

التصنيفات: رؤى عربية

منذ اندلاع الحرب على سورية، والدولة السورية تقدم المبادرة تلو الأخرى في محاولة لتحقيق المطالب المشروعة للمواطنين السوريين، ولعل ذلك تجلى في أوضح صوره بتعديل الدستور السوري عام 2012، وذلك خلال أقل من عام على بداية الأزمة، وهو ما أشار إليه الدكتور أحمد الكزبري- رئيس الوفد المدعوم من الحكومة السورية إلى لجنة مناقشة الدستور.
علمت الدولة السورية منذ اللحظة الأولى للحرب، بوجود أيادٍ خارجية تخطط وتمول لمشروع رأسمالي تدميري، في حين تتولى الرجعية العربية – بذراعها الإرهابية – التنفيذ، برغم ذلك قبلت بجميع المبادرات الدولية، في محاولة لنزع المسوغات من أيدي الأعداء، مؤمنة بأن أي خلاف سوري– سوري قابل للحل ضمن المبادئ الرئيسة القائمة على حفظ سيادة واستقلال ووحدة سورية.
في المرحلة الأولى من الحرب على سورية، افترض المحور المعادي أن القبول السوري بالمبادرات الدولية ينبع من « ضعف الدولة، ومحاولتها الخروج بأقل الخسائر الممكنة، والمحافظة على بقائها». لذلك سارع هذا المحور إلى عقد المؤتمرات الدولية والإقليمية بغياب الدولة السورية، ومحاولة استبدالها بما سمي «المعارضة» المقيمة في الفنادق الخارجية التي مثلت أذرع الدول الإقليمية والمخططات الغربية ضد سورية.
اصطدمت محاولات المحور المعادي بصمود الدولة السورية في ميادين القتال والسياسة، أمام هذا الصمود لم يكن أمام المحور المعادي سوى التراجع عن مواقفه ودعوة سورية إلى مؤتمر «جنيف 2» وسحب تمثيل سورية في الجامعة العربية من «المعارضة» وإبقاء مقعدها شاغرا.
حاول المحور المعادي فرض مخرجات «جنيف1» على سورية، لكن هذه المساعي فشلت أمام تمسك الدولة بثوابتها وفي مقدمتها وضع وقف الإرهاب في مقدمة القضايا التي تجب مناقشتها في أي مؤتمر دولي.
بين «جنيف1» و«جنيف 8» جرت مياه كثيرة تحت جسر الحرب على سورية، أظهرت صموداً سورياً إعجازياً في وجه الضغوط السياسية والعسكرية، ليحضر الجميع إلى اجتماعات «أستانا1» تحت سقف الشروط الوطنية للدولة السورية، جاء هذا الموقف تتويجاً لما حققته سورية في «جنيف3» عندما فرضت على محور العدوان القبول بمبدأ «السلال الأربع» التي تصدرها وقف الإرهاب، وحق الدولة في محاربته.. في المقابل حاول محور الأعداء فرض شروط في موضوع الدستور، الأمر الذي لقي قبولاً عند بعض الحلفاء، لكن الموقف الرسمي السوري كان حاسماً وقاطعاً، برفض أي دستور يحمل صبغة طائفية، أو يتنازل عن المبادئ الكبرى التي آمنت بها الدولة السورية وضحّت في سبيلها.
في اجتماعات لجنة مناقشة الدستور، سيحاول «وفد الأطراف الأخرى» – بشكل مباشر، أو بضغوط سياسية من خارج المشهد – سيحاول نسف الدستور السوري القائم، وطرح نسخة من الدستور حملها معه بعد صياغتها في غرف مغلقة في عواصم إقليمية ودولية. في المقابل تبقى الدولة السورية، كعادتها، بعقل مفتوح، معياره الوحيد المبادئ الكبرى التي تحفظ وحدة أراضيها، ورفض التدخل الخارجي، سواء السياسي أو بوساطة الاحتلال على الأرض، وحصرية الحق باختيار النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالشعب السوري.
وقد كان لافتاً ما عبّر عنه السيد أحمد الكزبري في كلمته من تأكيد على انفتاح الدولة السورية على تعديل الدستور وحتى تغييره إذا استدعى الأمر، مع ضرورة الإشارة إلى أنه لا يتحدث باسم الحكومة السورية ولا يمثلها بل يتحدث باسم الوفد المدعوم منها، لكن لا بد هنا من الوقوف عند واحدة من أهم النقاط التي ركز عليها السيد الكزبري، وهي أن الدولة خاضت الحرب على الإرهاب، قبل اجتماعات لجنة مناقشة الدستور، وهي تخوضها أثناء انعقادها، وستستمر في خوضها بعد انتهاء هذه الاجتماعات، في رسالة واضحة لكل من يحاول اعتبار المسار الدستوري بديلاً عن تحرير كامل التراب السوري من الإرهاب والمحتلين.
بعد يومين من انطلاق أعمال لجنة مناقشة الدستور، جاءت مقابلة السيد الرئيس بشار الأسد مع القنوات الوطنية السورية – التي يمكن عدّها أكثر مقابلات القادة العرب صراحة وشجاعة عبر التاريخ الحديث – لقد أعاد سيادته التأكيد على أن الحكومة السورية ليست طرفاً مشاركاً في اجتماعات لجنة مناقشة الدستور، لكنها تقدم الدعم المطلوب للوفد المدعوم من طرفها، والذي يحمل موقفاً قريباً من موقف الدولة من دون أن تكون جزءاً من هذا الوفد، وهي تحتفظ بحقها في رفض أي بند أو مادة لا تتفق مع المبادئ الكبرى للدولة السورية.
كما أكد سيادته، على الحق الحصري للدولة السورية – ضمن المعطيات السياسية والعسكرية المناسبة – بالقيام بالعمليات العسكرية التي تؤدي إلى تحرير أراضيها، وهنا يتساوى كل المعادين لها ممن لا يستجيبون للمساعي الدبلوماسية والجهود السياسية، وأن ما يدور في جنيف لا يشكل أي ضغط عليها، ولن يدفعها إلى تقديم أي تنازل في سياق عمليات تحرير الأرض.
هل هي بداية النهاية؟
يكاد المرء يجزم بأن ما قاله الرئيس الأسد في لقائه التلفزيوني، يمنحنا ثقة نهائية بأن الدولة السورية حسمت المعركة في الميادين العسكرية والسياسية، وأنها اليوم تضع اللبنات الأولى لمرحلة ما بعد الحرب، بكل الإحساس بالمسؤولية تجاه الوطن والمواطنين، حتى أولئك الذين اتخذوا مواقف أضرّت بدولتهم، مؤكداً أن الدولة فوق الأفراد، وفوق الأحقاد، وأنها دولة السوريين… كل السوريين من دون استثناء.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed