آخر تحديث: 2019-11-18 00:08:26
شريط الأخبار

مناوئو العروبة

التصنيفات: دراسات,سياسة

تشهد بعض الأوساط الثقافية، وعلى هامش العديد من الندوات والحوارات المفتوحة بعض الأشخاص وعلى قلتهم من الذين يشككون في العروبة، إلا أن ذلك يشكل شيئاً من العبثية وعدم الاتزان، بل تشعر بأنك أمام محاور، يفتقر إلى الحد الأدنى مما ينبغي أن يتوافر لدى أي محاور، ومما يقولونه مثلاً: «إن العروبة أمر طارئ.. ونحن سوريون قبل أن نكون عرباً»، فهؤلاء في تقديري مأخوذون ببعض المقولات الساذجة التي يسوّق لها بعض المتنكرين لأصولهم، وكأن لا علاقة لهم بتاريخ منطقتنا وأمتنا القديم والحديث، فيقول هؤلاء:«إن العرب قدموا من الجزيرة العربية، وهي منطقة صحراوية، عُرِف أهلها بالقسوة وشظف العيش، فغزوا هذه المناطق واحتلوها، وعَدُّوها بلاداً عربية وهي غير ذلك»؟!.. فإننا نقول لأمثال هؤلاء: احتلت الوطن العربي إمبراطوريات ثلاث: الفارسية والمقدونية والرومانية فكان ذلك عام /538ق.م/.. إذ كانت الإمبراطورية العربية الكلدانية (البابلية الحديثة) هي القائمة حتى هذا التاريخ، فجاءت هذه الإمبراطوريات الاستعمارية، فكان من نصيب الفارسية بلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر وذلك بين عامي /538 ـ 332 ق.م/ .. ومن ثم جاءت الإمبراطورية المقدونية على أنقاض الإمبراطورية الفارسية، حيث أخضعوا بلاد الشام ومصر وبلاد الرافدين سنة /333 ق.م/.. ومن ثم الإمبراطورية الرومانية التي استولت على مصر وبلاد الشام وشمال إفريقيا.. وجاءت الإمبراطورية البيزنطية لترث ما كان للإمبراطورية الرومانية في الوطن العربي.. ومن ثم بدأ النزاع الفارسي – البيزنطي على الأرض العربية فتقاسموها، إذ كان من نصيب الفرس العراق وأطراف من الجزيرة العربية، بينما كان من نصيب البيزنطيين بلاد الشام وشمال إفريقيا.. أما جنوب الجزيرة العربية فقد بقي نقطة تنازع بين الطرفين يتبادلان النفوذ فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، فوجود هذه الإمبراطوريات الاستعمارية على الأرض العربية لم يستطع إلغاء الدور الحضاري والثقافي العربي الذي بقي حضوره فاعلاً، وكان لبعض الأسر العربية دور سياسي، ففي أثناء الإمبراطورية الرومانية استطاع عدد لا بأس به من العرب أن يتبوأ مواقع مهمة، وعلى سبيل المثال، وصول أحد أبناء مدينة حمص وهو إيلاجابالوس إلى منصب الإمبراطور الروماني، وذلك في مطلع القرن الثالث الميلادي، وفي الإطار إياه وصول أحد أبناء مدينة شهبا السورية إلى المنصب إياه، أي الإمبراطور الروماني في منتصف القرن الثالث الميلادي، وهو الإمبراطور فيليب العربي.
فقد كانت هذه المرحلة مفعمة بالروح القومية العربية والتحريرية، نتيجة تنازع الإمبراطوريتين السابقتين، لاحتلال الجزيرة العربية بسبب موقعها الاستراتيجي وأهميتها التجارية في ذلك العصر، وما فشل أبرهة الحبشي، الذي كان في خدمة الإمبراطورية البيزنطية، في احتلال مكة وتدمير الكعبة، وكذلك انتصار العرب في معركة «ذي قار» التي كانت بين العرب والفرس، إلا تعبير عن وحدة العرب، وتأجّج الروح القومية في المجتمع العربي يومها.
إذاً، بقي الوطن العربي، بمشرقه ومغربه تحت سيطرة أهم إمبراطوريتين في العالم، وهما الفارسية والبيزنطية، إلى أن جاء القرن السابع الميلادي، إذ تمت إقامة أول دولة عربية إسلامية في المدينة في عصر الرسول العربي محمد (ص)، فكانت هذه الدولة هي نواة الدولة العربية الكبرى، ومنها انطلق العرب لنشر الإسلام في بلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا.. وفي عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، الذي بدأ عام /632م/ وصلت جيوش الفتح العربي إلى بلاد الشام وانتصرت في معركتين من أهم المعارك في تاريخنا العربي، هما: معركة اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، والقادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص، ومن ثم توالت الفتوحات وانطلقت الجيوش من دمشق لتبلغ أقاصي الدنيا.. وبعد مئة عام يخوض الجيش العربي بقيادة عبد الرحمن الخافقي معركته في سهول تور وبواتبيه، التي لا تبعد عن باريس قلب أوروبا، أكثر من مئتي كيلو متر، وبإجماع كل الباحثين والدارسين من عرب ومستشرقين على أنه لو قُيِّض للعرب الانتصار في هذه المعركة لما كانت خريطة أوروبا على ما هي عليه اليوم.. لا نقول ذلك من قبيل التغني بالأمجاد التاريخية وإنما لذكرها كمعلومات فقط.
ونعود إلى أولئك الذين ينكرون علينا عروبتنا، وفي أن سورية لم يَقْطُنْها العرب، فالاتجاه السائد لدى المؤرخين أن الجزيرة العربية وبلاد الشام هما الموطن الأصلي للأقوام العربية القديمة، وبسبب التغيّرات المناخية التي حصلت في أواخر العصر الحجري الحديث، والتي أدّت إلى تصحر الكثير من المناطق مثل الجزيرة العربية وبادية الشام، بسبب ذلك اندفع سكانهما للإقامة في بلاد الرافدين والهلال الخصيب، ووادي النيل وشمال إفريقيا، فالإقامة في هذه المناطق انطلقت من الصحارى والبوادي وليس العكس، فمنذ الألف الرابع قبل الميلاد، وجد الأكاديون وهم أقدم الأقوام العربية التي استقرت إلى جانب السومريين في بلاد الرافدين، بينما استقر الكنعانيون في مناطق كثيرة من بلاد الشام.. وفي عام /1500 ـ 1200 ق.م) هاجر الآراميون واستوطنوا بلاد الشام والرافدين، وفي عام /500 ق.م/ هاجر الأنباط وحلوا في جنوب سورية وأسسوا عاصمتهم «البتراء».. وبعد ذلك قدم من اليمن كل من المناذرة والغساسنة.. وهكذا نجد أن إمبراطوريات عدة عرفتها المنطقة العربية من أكادية وبابلية والفراعنة في وادي النيل، ومعين في جنوب الجزيرة العربية والأمورية والكنعانية على السواحل الشامية والمغربية والعربية الآرامية في دمشق وكذلك مملكة تدمر العربية، والمناذرة وعاصمتها الحيرة، والغساسنة وعاصمتها بصرى، وووإلخ.
وهنا نود القول: إن جيوش الفتح العربي، قد خاضت حروباً قومية لتحرير العرب في العراق وبلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا من الفرس والبيزنطيين، والكثير من المصادر العربية الحديثة يؤكد أن هؤلاء العرب شكلوا حاضنة لجيوش الفتح العربي، وقدموا لهم ما استطاعوا من مساعدة من أجل إعادة السيادة العربية، وإلا لما استطاع العرب هزيمة أعظم إمبراطوريتين في ذلك العصر، ولا يفوتنا هنا التوقف عند العصر الأموي، وما شهده من إصلاحات جسّدت الدور الحقيقي للدولة العربية عندما قرر الخليفة عبد الملك بن مروان تعريب الدواوين والإدارة العامة في الدولة، بعد أن كانت في العراق تدون بالفارسية، وفي بلاد الشام باليونانية، وفي مصر بالقبطية، واشترط الخليفة للعمل في هذه الدواوين إتقان العربية، وبذلك ألغت الدولة الأموية حالة الازدواج اللغوي، وحققت بذلك الاستقلال الإداري للدولة العربية، وكذلك الاستقلال الاقتصادي، عندما أمر أيضاً الخليفة عبد الملك بن مروان باستبدال النقد المتداول في الوطن العربي ـ وكان يومها الدرهم الفضي الفارسي، والدينار الذهبي البيزنطي ـ بالدينار الذهبي العربي، وبذلك تم إلغاء النقود الأجنبية التي تردها من الخارج، وهذا في حد ذاته إنجاز كبير يسهم في حفظ أمن الدولة وسيادتها.
العروبة ليست عرقية، كما أوضح القائد المؤسس حافظ الأسد: «إذا أردنا أن نبحث عن نقاوة الدم، كي نسمي فلاناً بأنه عربي، فإننا نخطئ تاريخياً وعلمياً»، وأكد أيضاً غير مرة السيد الرئيس بشار الأسد أن «علينا التمييز بين العروبة الرسمية التي تمثلها الأنظمة الرجعية وسياساتها التابعة، وبين العروبة كهوية وانتماء، فلابد من تكريس المفهوم الحضاري والثقافي للعروبة لاستيعاب الأقليات العرقية في الوطن العربي، في إطار المواطنة المتساوية، وعدّ الانتماء القومي أساس أي حديث بنّاء عن الديمقراطية والمشاركة».
ونجد أن كثيراً من الشخصيات التي شكلت رموزاً تاريخية عربية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، صلاح الدين الأيوبي، والدور الكبير الذي أداه في توحيد العرب والوقوف في وجه غزوات الفرنجة، وتحضرني أيضاً شخصيات مهمة في سورية شغلت مواقع غير عادية سواء سياسية أو ثقافية، وهم من أصول غير عربية، ومع ذلك فهم شخصيات عربية، وأذكر مثلاً الأستاذ محمد كرد علي وهو أول رئيس لمجمع اللغة العربية، المجمع العلمي سابقاً، فجميعُهم ينصهرون في الإطار الوطني العروبي بغض النظر عن الأصول التي تحدرت منها هذه الشخصية أو تلك.
وهذا نود من السادة الذين «يشرّقون ويغرّبون» حول العروبة أن يعيدوا النظر بما يتحدثون به، وأن يتوقفوا عند ما ذكره المؤرخون القدماء والمعاصرون، وما توصلت إليه الاكتشافات الأثرية حول تلك المراحل التاريخية التي تحدثنا عنها، فسورية هي مجال اعتزازنا وفخرنا، وهي القلب من الأمة العربية، وبقدر ما نكون أوفياء لقطرنا العربي السوري، نكون أوفياء لوطننا العربي والعكس صحيح.

طباعة

التصنيفات: دراسات,سياسة

Comments are closed