آخر تحديث: 2019-11-18 00:08:26
شريط الأخبار

إيران والصين.. علاقات اقتصادية متنامية تقوض «عالمية» الدولار الأمريكي

التصنيفات: دراسات,سياسة

تشهد الساحة السياسية الدولية موجة محتومة من التغيير، وهي بداية ثورة ناتجة عن الانتقال من نظام عالمي أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث نواجه، في الممارسة العملية، مجموعة من العوامل، تشمل تطبيق التعريفات الأمريكية على الصادرات الصينية وعقوبات واشنطن على إيران والاكتفاء الذاتي الأمريكي بالطاقة وهشاشة المنشآت الصناعية السعودية والقدرات الإيرانية على مقاومة العدوانية الأمريكية، وكذلك تصدير كميات كبيرة من الغاز والنفط إلى الصين، وكل تلك العوامل تلتقي حول عامل واحد، ألا وهو الانخفاض الوشيك في قيمة الدولار الأمريكي كعملة احتياطية عالمية.
إن قرار بكين الأخير بمنح خط ائتماني بقيمة تتراوح بين 280 و400 مليار دولار لإيران هو جزء من استراتيجية واسعة النطاق تتطلع إلى المستقبل البعيد، ولا شك في أن إيران ستستفيد من هذه المساعدات الاقتصادية التي ستعوض النقص في الأرباح من بيع النفط الناجم عن العقوبات الأمريكية، ولاسيما أن بكين تعتزم دخول سوق الغاز والنفط الإيراني ومساعدة الشركات الإيرانية على تطوير الحقول والمصانع واللوجستيات والموانئ ومراكز الطاقة، وتالياً ضمان الإمداد المستقبلي بالنفط والغاز لدولة تشهد نمواً اقتصادياً وديموغرافياً قوياً.
وإذا أمعنّا التفكير في سياسات الصين وربطناها بمصالحها في الشرق الأوسط وبمصالح الولايات المتحدة ستظهر صورة مثيرة للاهتمام وتحتاج تقييماً دقيقاً.
نحن نعلم أن واشنطن تفاخر بأنها حققت الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة من خلال الغاز الصخري، وتحولها إلى بلد مصدِّر، ويبدو أنها أصبحت أقل اعتماداً على النفط السعودي في تلبية الطلب المحلي.
كما أن هناك عدة اعتبارات دفعت إلى تحول مستقبلي للقوات العسكرية الأمريكية بعيداً عن الخليج العربي والشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى الشرق الأقصى، وهذا بغرض احتواء ومحاصرة المنافس الرئيس لواشنطن على الصعيد العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، أي الصين.
بكين، رداً على هذا التطويق، لديها ورقة رابحة في جعبتها، إذ يمكنها أن تسعى إلى استبدال وضع الدولار الأمريكي كعملة احتياطية من خلال تقديم المساعدات الاقتصادية إلى إيران (وهو أمر أساس ضمن مبادرتها الحزام والطريق) وأيضاً من خلال السعي لاستمالة السعودية و«أوبك» في مرحلة لاحقة ودفعها بعيداً عن بيع النفط بالدولار الأمريكي حصراً. ومن ناحية أخرى يمكن لموسكو في ضوء تطور «أوبك» مساعدة حليفها الصيني في تشكيل سوق الغاز الطبيعي المسال بأسعار محددة بعملات أخرى غير الدولار الأمريكي، علماً أنه حالياً يتم التداول بين بكين وموسكو في المواد الهيدروكربونية عن طريق تجاوز نظام الدفع «سويفت» العالمي وكذلك الدولار الأمريكي. يبدو أن لدى الصينيين عملية تخطيط جيدة يمكن أن تغير المشهد الاقتصادي بأكمله في العالم، حيث ستساعد الصين أولاً إيران على تطوير صادراتها مع ضمان الإمدادات المستقبلية لنفسها في الوقت نفسه، ما يسمح للبلدين بحماية أنفسهما من الإرهاب الاقتصادي الأمريكي، وفي طبيعة الحال، يتم بيع النفط الإيراني إلى الصين خارج نظام «سويفت» وتالياً خارج نظام البترودولار.
من خلال هذه الخطوة، تسعى بكين إلى تأمين البيع المستقبلي للهيدروكربونات لاقتصادها المتنامي بشكل كبير، ما يضمن استمرار التنمية ويتمم الاستثمارات التي جرت بالفعل في شمال إفريقيا (المعادن والمواد الخام) وفي شرق روسيا (الزراعة).
إن الخطر الحقيقي على الهيمنة الاقتصادية الأمريكية الذي تشكله الصين يكمن في السعودية، فإذا استمرت واشنطن في الاعتماد بشكل متناقص على واردات النفط السعودي، وحولت انتباهها إلى جنوب شرق آسيا سيكون هناك دافع أصغر كي تضع الولايات المتحدة عائقاً أمام صعود إيران كقوة إقليمية متنامية، ولذلك ستضطر الرياض إلى البدء في النظر حولها وإعادة تقييم مكانتها على الخريطة الإقليمية. في المقابل، تتمثل استراتيجية الصين، فيما يتعلق بإيران، بالضغط على السعودية للنظر في بيع النفط بعملات أخرى غير الدولار الأمريكي، وكما هو الحال الآن، تستورد بكين كميات كبيرة من النفط الخام من السعودية، وهذا قد يتغير إذا نقلت الصين وارداتها النفطية إلى إيران، ودفعت لقاء هذا النفط بعملات أخرى غير الدولار الأمريكي، أو ربما حتى بالعملة الصينية.
ستكون بكين أكثر ملاءمة لاستيراد السلع الأولية، بما في ذلك الغاز والنفط، بعملة أخرى غير الدولار الأمريكي، ربما من خلال سلة من العملات التي تمثل بشكل أفضل السياق متعدد الأقطاب الذي نعيش فيه، أو يمكن أن تكون سلة على غرار صندوق النقد الدولي، ولكن مع حصة أقل من الدولار الأمريكي (أو ربما لا شيء على الإطلاق) وذلك للحد من تأثير مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الأسواق الخارجية والتمويلات الخاصة لكل دولة على حدة.
يبدو أن استراتيجية بكين مصممة للتقدم على مراحل، وتعديلها وفقاً لرد فعل الولايات المتحدة، سواء كان عدوانياً أو لطيفاً، إنها نوع من رقصة «الكابويرا» حيث لا يضرب المرء في الواقع خصمه حتى عندما يستطيع ذلك، علماً أن الهدف طويل الأجل لهذه الاستراتيجية هو تقويض المصدر الرئيس للدخل والقوة للولايات المتحدة المستمد من مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية.
في سياق جيوسياسي كهذا، من الصعب تخيل استمرار السعودية في استيعاب المصالح الأمريكية بشكل مطلق (بيع النفط بالدولار الأمريكي على وجه الحصر) بينما لا تتلقى حماية عسكرية كافية أو فوائد اقتصادية، في المقابل، وفي الواقع، أخطأت واشنطن على نحو خطر عندما اعتقدت أن في إمكانها إبقاء الدولار كاحتياطي عالمي مع مواصلتها زعزعة استقرار العالم اقتصادياً، وكل هذا بالتوازي مع الصعود الصيني- الإيراني- الروسي كبديل.

عن موقع «استراتيجك كالتشر فاونديشن»

طباعة

التصنيفات: دراسات,سياسة

Comments are closed