آخر تحديث: 2019-11-18 00:08:26
شريط الأخبار

«التباس؟» سليمان شريبة.. مبنيٌّ على السُّكون

التصنيفات: ثقافة وفن

برغم أن المسرحي الإيطالي «داريو فو» وصف مسرحياته بأنها «للحرق» إذا لم يتم التعاطي معها بمنطق الزمن الحاضر المستمر، وتالياً ضرورة تحديث موضوعاتها وشخصياتها وأحداثها طبقاً للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، إذا ما أُريد إعادة عرضها، مع إمكانية الاحتفاظ بالشكل الفني فقط، إلا أن خيار المخرج «سليمان شريبة» في التعاطي مع نص «لا يأتي كل اللصوص للمَضَرَّة»، والذي قُدِّمَ على خشبة الحمراء الدمشقية كعرض زائر من اللاذقية بعنوان «التباس؟»، لم يُحدِّث شيئاً، بل حافظ على النص الأصلي مع وضعه باللهجة العامية فقط، من دون أي مُحاولة إعداد تنهض بنص «داريو فو» زمنياً على الأقل، ولاسيما أن الاختلافات شاسعة بين تداعيات النظام الفاشي في إيطاليا، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحتى نفسياً، التي ارتكزت عليها معظم مسرحيات «الظاهرة الإيطالية»، وبين ما نعيشه الآن من توترات على الصعد كلها، حيث لن يكون كافياً البتّة الاتكاء على حيوية المفارقات في مسرحية «فو» تلك، وذكاء حواراته، وغنى شخصياته، لتعرية النفاق الاجتماعي، والكشف عن زيف العلاقات ضمن الطبقات المخملية الناشئة والمُعمِّرة على حد سواء، ما لم نحضِّر الذريعة لقول ما كان صاحب نوبل يريد قوله أثناء كتابته لعمله «لا يأتي كل اللصوص للمضرة»، فمن دون ذلك تتحول «الملحمية الداريوفية» إلى تهريج فارغ يهدف إلى الإضحاك فقط، بدل التوعية ودفع الجمهور للتفكير واتخاذ موقف مما يجري.
تحكي المسرحية عن خيانات زوجية بالجملة تتكشَّف من خلال «لص.. حسين عباس» يسطو على منزل في غياب أصحابه، وقبل أن ينتهي من السرقة يُفاجأ بعودة «الزوج والمستشار الحكومي.. مجد يونس أحمد» مع «عشيقته.. غربة مريشة»، وبعد مجموعة كبيرة من المفارقات يجتمع في ذاك المنزل كل من الزوج و«الزوجة.. دينا العش» أصحاب البيت، وعشيقته و«عشيقها.. وسام مهنا»، لنتبين فيما بعد أنهما زوجان، إلى جانب اللص وزوجته الغيورة «سوسن عطاف»، اللذين يكملان سرقتهما في خضم هذه المعمعة من الخيانات والمفارقات، تاركَين «الالتباس المُزيَّف» سبيلاً لتسويغ «شربكة» المواقف، ثم تُستعاد اللعبة مرة أخرى في نهاية العرض مع لص جديد، ولاسيما بعد تعرُّفنا على فضيلة اللص الأول في كشف سرقات أكبر وتعرية طبقة اجتماعية بالكامل، حياتياً ونفسياً واقتصادياً…، لكن «داريو فو» لطالما أكَّد أن نصوصه لا تكتمل من دون ممثلين من رتبة المهرج «أرليكينو» في الكوميديا ديلارتي، بوصفه «ممثلاً ملحمياً» بما يمتلكه من طرافة ولسان سليط إلى جانب قدرته على كسر الجدار الرابع وتوطيد صلته بالجمهور، طبعاً ذلك من دون استجداء الضحك فقط، كما رأينا في عرض «شريبة»، وبلا تكريس نمط واحد من أسلوبية التعاطي مع حيوية المفارقات الكثيرة في النص، فاللامعقولية التي بُنيت عليها المسرحية الأصل كانت تتطلب فهماً أعمق لغروتيسكية المواقف، من ناحية الغرابة واللامعقولية والألم كثلاثة عناصر ينبغي دوزنتها بدقة في العرض الحالي، حتى لا ينحو أداء الممثلين بمقولة العمل المسرحي من السخط على الطبقة المخملية إلى ملاطفة لها، لأن التنويع في التقاط المفارقات كان سيوصل عرض «التباس؟» إلى ما يبتغيه «داريو فو» من جعل الناس الحاضرين يشعرون بكارثةٍ ما من خلال علاقة كل منهم بمجتمعه، لكن ما حصل في عرض «شريبة» أنه حقَّق «تعاطفاً مُلتبساً» مع الجلَّاد على حساب الضحية، كما إنه لم يستطع الاستفادة من فظاظة الحس الشعبي ضمن النّصّ، وتحويله إلى صلة وصل متينة مع الجمهور، بل أبقاه ضمن مساحة ضيقة بصفته عنصراً لاستدعاء الضحك المجاني من قبل المتلقين، بلا أدنى قدرة على توريطهم ليكونوا، كما يريدهم «فو»، شركاء في المؤامرة، لاستكمال تعرية الزيف الاجتماعي، لكن طالما أن العرض جاء منزوعاً من زمنه الآني، فإنه أبقى السؤال الذي تضمنه العنوان «التباس؟» من دون إجابات حقيقية وصميمية، خاصةً بعد عدم تبنيه منهجية «داريو فو» في بناء عروضه، مع محافظته على أسماء الشخصيات الإيطالية، وتبني مفهوم المسرح الفقير فقط من ناحية الديكور، لدرجة أننا لم نعرف أن ما يتوسط المسرح هو ساعة كبيرة لولا حديث الممثلين عنها، وتعرضهم لضربات نوَّاسِها ولسعات أجراسها، خلال الاختباء بداخلها، لندرك بذلك أن تلك الساعة التي التبست علينا هي الحقيقة الوحيدة ضمن العرض الذي أمعَنَ في زمنه الماضي، لتأتي جميع الأفعال ضمنه مبنية على السكون التَّام والمُطبِق.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed