آخر تحديث: 2019-11-13 06:18:23
شريط الأخبار

محافظة دمشق تتنكر لقرارها هدمت بيوتهم رأفة... وتخرجهم من بيوتها طمعاً!

التصنيفات: تحقيقات

«الزلزال» الذي تعرضت له 28 أسرة في حارة «القطاعة» بمنطقة المزة 86 منذ أكثر من عامين لن يكون الوحيد الذي سيجعلهم بلا سقف يؤويهم، فهنالك إجراءات بمنزلة الزلزال بالنسبة لتلك العائلات تحضر لها محافظة دمشق، وتطبيقها سينتهي بهم مجدداً مشردين في الشوارع بعدما أعادت تخصيص شقق كانت وعدتهم بتخصيصها لهم لأناس آخرين، برغم وجود عشرات الشقق الفارغة في أبراج المحافظة الواقعة في منطقة ألماظة الخليل في برزة.
والمسوغ جاهز: لا يوجد نص قانوني لتخصيصهم، لأنهم كان يسكنون في منطقة مخالفات، ومحافظة دمشق ترمي الكرة في ملعب رئاسة مجلس الوزراء، بأن الأخيرة لم تأخذ أمر تخصيصهم بمساكن على عاتقها، ولم تستجب لطلبات المحافظة بتبني قرار تخصيص منذرين من مناطق مخالفات ببديل في مناطق نظامية.
ويختصر مدير الإسكان في محافظة دمشق- مدحت عثمان بهذه البساطة: «إن شروط التخصيص لا تنطبق على من سكن أرضاً ليست له، وأحضر عدة «بلوكات» عمّرها فوق بعضها وسكن في بيت مخالف», برغم أن المحافظة هي من أنذرتهم بالإخلاء، بعد حدوث انهيار في الحي.
ويقول عثمان: إن لتلك المنازل أصحاباً يطالبون بالحصول عليها وإن لديهم إنذارات بالإخلاء منذ أكثر من 20 عاماً، ويتساءل: فكيف تتحمس الوزارة وتؤمن السكن لهؤلاء المنذرين دون غيرهم؟
في حين يؤكد المهددون بالترحيل حالياً أنهم عندما تسلموا تلك المنازل لم تكن مسكونة، وأنهم هم من وضع عدادات الماء والكهرباء، وأن في محافظة دمشق أكثر من 1800 إنذار محكمة، فلماذا الآن؟ ولماذا منازلهم حصراً التي تخصص لأصحاب الدعاوى التي كسبوها في حكم محكمة لم يسمح لهم حتى برؤية بنوده؟

هذا ما وعدوا به!
قبل عامين من الآن حصل انهيار أرضي في منطقة المزة 86 تسبب بتصدع وتشقق في المنازل استدعى إخلاء السكان من المنطقة، ولأنه لا مكان يذهبون إليه إلا الشارع، واستمرار بقائهم في منازلهم يشكل خطراً على حياتهم وأسرهم، اجتمع المعنيون في محافظة دمشق وخرجوا بأربعة قرارات:
– إخلاء المنازل المتشققة والخطرة والمنهارة حرصاً على أرواح الشاغلين. – الموافقة على إبرام عقود إيجار مع الشاغل الأخير لكل منزل من المنازل المتضررة البالغة 28 منزلاً لمدة ثلاثة أشهر، وببدل إيجار شهري قدره 3 آلاف ليرة في أحد المشروعين(ألماظة خليل، الحسينية) حسب رغبتهم. – تكلف مديرية الصيانة بإجراء الإصلاحات الضرورية، وبشكل فوري للمساكن التي سيتم إبرام عقود إيجارها في أحد المشروعين، بحيث يصبح المسكن جاهزاً للسكن. – تكلف مديرية التنظيم والتخطيط العمراني بوضع آلية لتخصيص المستأجرين الوارد ذكرهم في المساكن المستأجرة ذاتها بالتنسيق مع المستشار القانوني ومديريتي القضايا والشؤون القانونية وشؤون الأملاك، وهي المادة الحكم في تلك القضية.
كيف تخصص مرتين؟
هدمت المحافظة المساكن المتصدعة والمهددة بالانهيار بعدما سلمت الساكنين الإنذارات وشققاً سكنية في مشروع ألماظة الخليل بمنطقة برزة، وطلب منهم تركيب عداد كهرباء وماء، طبعاً على نفقتهم الخاصة، على أن يتم تخصيصهم في تلك المساكن كما في قرار المحافظة.
رمم المتضررون المنازل التي تسلموها، لأنها لم تكن مسكونة بعد، ومنذ اليوم الأول لسكنهم بقوا بانتظار تخصيصهم كما وعدتهم المحافظة، لكن هذا لم يحصل.
في الفترة الأولى لم يكن الأمر ملحاحاً خلال مرحلة المحافظ السابق بشر الصبان، برغم حالة القلق التي يعيشها الجميع، التي كانت تدفعهم باستمرار لمراجعة المحافظة والاستفسار عن موضوع التخصيص، ولكنهم لم يعتقدوا يوماً أن عدم حسم هذا الأمر في وقته سينتهي بهم إلى التهديد بضرورة إخلاء منازلهم مجدداً، وإلا سترمى محتوياتها في الشارع!
وضع جديد يدفع الأسر المهددة للتساؤل عن الأسباب التي تدفع المحافظة إلى تحديد مساكنهم «لأصحاب الدعاوى الذين ينتظرون منذ عشرين عاماً»؟ وكيف يأتيهم حكم مبرم لتنفيذه وكأن تلك الشقق فارغة وهم يسكنون بصفة مستأجرين مع المحافظة؟
بكثير من الخيبة والوجع يتساءل آخرون: ألم تكن المحافظة على علم بأنهم يسكنون منطقة مخالفات قبل أن تهدم منازلهم؟ إلى أين سيذهبون، خاصة أنه يستحيل إيجاد سكن بديل ضمن هذه الظروف، وأكثرهم من الفقراء المعدمين وبعضهم ممن يصنفون من بين الشهداء الأحياء بعدما حولتهم معارك الحرب إلى أصحاب إعاقات بليغة؟
نشتريها
في بداية الأمر وعندما تسلمت الأسر الإنذارات جاءهم من يساومهم على شراء الإنذار بمبلغ 5 ملايين ليرة، على أن يشتروا منزلاً بديلاً ضمن منطقتهم، لكن هذا المبلغ لم يكن يكفي لشراء منازل بديلة كما قال بعضهم لذلك رفضوا الفكرة، والآن يتساءلون كيف يمكن لشخص أن يقدم لهم هذا العرض لولا تأكده من إمكانية التخصيص؟!
بعدما سكنوا في المنطقة المخصصة لهم بدؤوا يسمعون باسم أحد تجار البناء في تلك المنطقة الملقب الذي يحمل لقب «الحوت» في اسمه، وليكتشفوا أنه هو ذاته الذي عرض عليهم شراء الإنذارات عن طريق وسيط وأنه الشخــص الذي يجدونه أينما ومتى زاروا مبنى المحافظة.
عند الرئاسة
تتداخل الأمور في حديث مدير الإسكان في محافظة دمشق مدحت عثمان لتشير إلى أمر واحد وهو رغبة المحافظة في إخلاء تلك الشقق من ساكنيها، خاصة أن قيم تلك الشقق المرتفعة تسيل لعاب الكثير من العارفين بطرق استثمار الإنذارات والحصول على أحكام محكمة بالتخصيص.
وبرغم قوله: إن «المحافظة تتمنى أن تسكنهم لكن الموضوع ليس عندها»، وأن «رئاسة مجلس الوزراء لم تساعدهم في حل مشكلة التخصيص»، تسمع من عثمان نغمة أخرى مفادها أيضاً أنه في أماكن أخرى هنالك الكثير من المنذرين من مناطق يملكونها ولم نمنحهم سكناً بديلاً!
ويقول عثمان: إنهم خاطبوا رئاسة مجلس الوزراء أكثر من مرة بقصد تخصيصهم لكنهم لم يحصلوا على جواب، وإن المحافظة أجّرتهم تلك المنازل وفق القرار 810 الذي ينص في البند الرابع منه على دراسة آلية التخصيص حتى يتم تمليكهم، ولكن رئاسة الوزراء لم توافق وظلوا بصفة مستأجرين، أي تعذر تخصيصهم قانوناً، وأن هذه الأبنية لمن هم منذرون بالهدم، وهنالك أناس «استملكنا بيوتهم وفق قوانين الاستملاك ونفذناه، ومن ثم أخرجناهم فترة حتى نؤمن لهم بيوتهم، وجاؤوا الآن للحصول عليها».
وعندما نسأله عن ملكية المحافظة لهذه الأبنية يقدم تفسيراً ملتبساً، فتارة تبدو هذه الأبنية ملكية للمحافظة، وتارة أخرى ملكية لمنذرين سابقاً. حين يقول إن هنالك أناساً استملكت المحافظة بيوتهم وجاؤوا ليطالبوا بهذه البيوت!! ويضيف أن هذه المنازل للمحافظة ولكنها ستعطيها للمنذرين بالهدم!
نسأله
* وهؤلاء أيضاً منذرون بالهدم ولم تخبروهم بهذا الكلام قبل هدم بيوتهم التي يفضلون أن تسقط على رؤوسهم على إخلائها من دون بديل؟
** يقول إن الرغبة بتسكينهم متوفرة، لكنهم لم يحصلوا على موافقة والقوانين لم تساعدهم.
* وكيف تخصص المحافظة الشقة ذاتها لأكثر من منذر وتضعهم في مواجهة بعضهم؟
** يقول: نحن أجرناهم لظروفهم، وهم لا يخضعون لشروط الاستحقاق لأنهم غير مالكين لبيوتهم.
وننقل انطباع الأهالي للسيد عثمان: بأنهم يشعرون بوجود «حالة من التآمر» عليهم لإخراجهم من تلك المساكن؟ فيرد بأن عندهم أعداداً كبيرة من المنذرين بالهدم، ولم يؤمنوا لهم سكناً أو يؤجروهم ولا يوجد منازل تكفي.
«هيك القانون»
يفصل عثمان في قانون الإسكان للملكية ويقول: إن المنذرين وفق قانون الإسكان وليس قانون المحافظة، والأمر يتطلب توافر شرط الملكية ليصبح مستحقاً للسكن البديل، ومالكاً للأرض والبيت، أما هؤلاء «أي 28 عائلة» فهم غير مالكين ويسكنون أرضاً ضمن أملاك الدولة في المزة 86 بل ويضيف إنهم «عملوا شوية بلوك وسكنوا فيها»! وإن الكتابين اللذين أرسلا إلى رئاسة مجلس الوزراء عادا بتعذر الإجابة عن طلب التخصيص القانوني. والآن كل فترة يأتيهم صاحب بيت منذر بالهدم، ويطالبهم بالبيت الذي يجب أن يحصل عليه ولم يعطوه إياه منذ 10 أو 20 عاماً، بينما لديهم منازل مؤجرة!! في إشارة إلى الشقق السكنية التي يسكن فيها المنذرون من المزة.
وعن وجود تجار عرضوا عليهم شراء إنذاراتهم، بمبلغ 5 ملايين ليرة، وهذا يعني أن هنالك تجارة «على الخط»؟ قال: إن هذا الكلام لا علم له به، وأنهم كانوا يتوقعون أن تأتيهم الموافقة على تخصيصهم، وإنه كلما وصلهم حكم محكمة سيتم تبليغ أحد الساكنين بالإخلاء.
شقتان فقط
يتطابق الرأي بشكل لافت بين التاجر الملقب بـ«الحوت» ومدير الإسكان عثمان بل يصبح «الحوت» على يمينه ويصف وجودهم في تلك المنازل بـ«الإيواء»!
يقول إن أملاكه في تلك المنطقة «تقتصر على شقتين فقط وليس برجاً كاملاً كما يقولون، وثماني شقق في البرج الآخر»، ويفسر سبب وجوده في تلك المنطقة بأنه من ساكنيها، و«أن الشقق الأخرى التي يقول العمال الذين يرممونها إنها تعود للحوت، ما هي إلا شقق عهدها له أصحابها الحاصلون على شقة مقابل إنذاراتهم فيقوم بالترميم والكسوة.
وعن هذه النقطة، أكد لنا أحد العارفين في المحافظة أن الأخيرة لم تعطِ أي تعهد في تلك المنطقة منذ 10 سنوات!
ويعيد «الحوت» الكرة ذاتها من أن هنالك منذرين يأتون للمحافظة ويطالبون بشقة لم يحصلوا عليها منذ زمن بينما هنالك شقق مؤجرة! ثم لا يلبث أن يصف وضعهم بالإيواء، وأن المحافظة أجّرتهم لمدة ثلاثة أشهر، ثم بطريقة عقد لمدة عام، ولكنهم لم يتمكنوا من الحصول على جهة تتبنى وضعهم لتخصيصهم!
ملاحظات
في النهاية يمكن تسجيل الخلاصات الآتية:
تقف المحافظة وراء خلاصة مفادها أنها لم تجد صيغة قانونية لتخصيص الأسر المنذرة من المزة، ولذا تستثمر الوضع الراهن للتراجع عن وعودها، و«تخليص» تلك الأبنية ممن انتقلوا للسكن فيها، وهي التي تقدر قيمتها بملايين الليرات، بينما المطلوب منهم، حسب الأنظمة، دفع مبلغ لا يتجاوز المليون ونصف المليون كقيمة لسعر الشقة.
* هنالك من يعطي معلومات للمحكمة بأن الشقق التي تسكنها 28 أسرة هي في الواقع «فارغة»، لذا يتم تخصيصها للّذين يكسبون الدعاوى التي يقع خلف أكثرها الملقب بـ«الحوت» كما أكد متابعون لهذا الموضوع.
* مساكن ألماظة الخليل تتألف من 4 أبراج، وفي كل برج 12 طابقاً ومعظم الشقق في الأبراج الأربعة فارغة، وهنالك الكثير من الخيارات لشقق بديلة غير تلك التي تسكنها تلك الأسر.
* يشير بعض العارفين بالموضوع إنه كان في إمكان المحافظة مراسلة القضاء وطلب عدم تخصيص هذه المساكن ريثما يتم إيجاد حل قانوني بتخصيص من هدمت المحافظة منازلهم ووعدتهم بسكن بديل وبقرار من المكتب التنفيذي للمحافظة، لكنها لم تفعل ذلك، ومن ثم تلقي في الكرة على رئاسة الوزراء.
* بعد تواصل «تشرين» مع الجهات المعنية تلقّى بعضهم اتصالات تهديد من قبل أحد المتنفذين، وتم تهديدهم بانتظار الأحكام القضائية لإخلائهم جميعهم.
* ضمن الإيقاع ذاته تسير هذه القضية من دون اهتمام بالنص القانوني: حيث أقدمت المحافظة على تخصيص مخالف لسيدة دون غيرها في منطقة القدم الصناعي، ولمزيد من المعلومات المؤكدة رقم التخصيص للسيدة ( و.ر) 283-282 و284-290، ولا أحد يشغل باله في موضوع المسموح والممنوع لهذه المخالفة!

طباعة

التصنيفات: تحقيقات

Comments are closed