آخر تحديث: 2019-11-19 05:46:25
شريط الأخبار

بين كاتب وقارئ..

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

يتعرض الكاتب، فيما يتعرض إليه من أسئلة القراء، أو النقّاد، أو الصحفيين، إلى سؤال بسيط، ملخصه: «كيف تكتب؟»… والجواب صعب.. وأظن أن ما من سابح في الماء، يخطر له التفكير في آليّات سباحته.. وما من كاتب يستطيع وصف ذاته لحظة هطول مطر الكلمات عليه من غيوم تراكمت داخله.. وهو هطول لا قوانين تحكمه، وربما لا مواقيت… وأظن أن ثمة عناصر مشتركة بين الكُتّاب، أولها الخوف من ورقة الكتابة البيضاء.. وهذا الخوف ينسحب على جميع من يحاولون الكتابة، بمن في ذلك كتّاب الرسائل..
ولعل وقوف الكاتب المحترف أشد هولاً أمام الورقة البيضاء، ذلك أنه أمام فعل يشبه وقوف ممثل على خشبة المسرح.. كل حركة، أو لفظة، محسوبة عليه أمام الجمهور.. وما يقال، أو يلقى، أو يكتب، يصبح في ذمة التاريخ، وقد يستحيل محوه..
يقول الفرنسي غوستاف فلوبير، صاحب رواية «مدام بوفاري»: «حين أبدأ بالتفكير بما يجب القيام به لترجمة أفكاري إلى واقع، أشعر بالخوف.. وبالرغبة في الهروب، والاختفاء عن أعين الناس»!… وهذا ما أسميه، ليس هروب الأفكار، بل تزاحمها.. وقد عبّر المتصوّف (النفري) عن ذلك بقوله: «كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة»!..
ويعبّر الكاتب الانكليزي (جوزيف كونراد) عن الحالة بقوله: «أجلس ثماني ساعات في اليوم.. ومن أسف أن كل ما أقوم به يقتصر على الجلوس فقط، وخلال هذه الساعات، لا أكتب سوى ثلاث جمل»!..
وقد أتيح لي زيارة بيت مكسيم غوركي في موسكو، وغرفة عمله،. وكانت ثمة منضدة خشبية كبيرة مخصصة لعمله.. وفوقها مسوّدة لرواية كان يكتبها… الورقة كبيرة الحجم.. وأما ما خُطّ في المتن، فله هوامش واسعة عن يمين ويسار، وثمة فوق المنضدة ما يقرب من خمسة أو ستة أقلام خشبية ملونة قد يستخدمها لكتابة تعديلات على النص.. بحيث بدت الهوامش كما لو كانت خرائط جغرافية… ومن طبيعة الأمور أن ثمة كتاباً كباراً لم تكن لديهم مثل هذه (المتاعب)، ومنهم على سبيل المثال الكاتب الروسي أنطون تشيخوف، الذي كان يكتب بيسر وسهولة.. وقد روى الناقد الروسي كورلنكو، في مقابلة صحفية، أن سأل تشيخوف: «من أين يأتي بقصصه؟»… فأشار تشيخوف إلى منضدته المتخمة بأشياء كثيرة، وقال له: «اختر ما يحلو لك مما على المنضدة!».. فاختار كورلنكو منفضة السجائر.. وقال له تشيخوف: «غداً صباحاً سأرسل لمجلتك قصة عنوانها: (المنفضة)!..
وفي المحصلة: ليس ثمة قوانين صارمة للقصة، أو الرواية.. ولكن قانون التواصل بين كاتب وقارئ، هو الأساس…

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

Comments are closed