آخر تحديث: 2019-11-12 11:34:00
شريط الأخبار

التشكيل السوري الحديث أنموذج للمراوحة في استعادة أجواء الفنون الغربية

التصنيفات: ثقافة وفن

لا تزال العلاقة بين اتجاهات الفن التشكيلي العربي الحديثة تحثّ وربما تستفز الباحثين الأكاديميين لخوض غمارها بموضوعية وشفافية ومصداقية تنبع من الحرص على التشكيل العربي وهويته الخاصة، يقول الفنان والناقد التشكيلي أديب مخزوم: إنّ أوّل ما يمكن استشفافه من تحليل الاتجاهات التشكيلية العربية الحديثة هو العلاقة المتبادلة والمتداخلة والمتشابكة والملتبسة بين معطيات التشكيل الأوروبي الحديث وإيقاعات العناصر البصرية المستمدة من التكاوين الفنية العربية والشرقية، إذ تركت أثرها الواضح على اتجاهات الفنون العربية الحديثة لدرجة أنّ العديد من الفنانين العرب المحدثين جنحوا في تجاربهم نحو العبث التشكيلي الأوروبي الحديث والفنون البنيوية الأكثر حداثة بحجة التجديد والانطلاق وتجاوز الأنماط المتعارف عليها والقوالب المستهلكة والجامدة، لقد تنوّعت مفردات التعبير في التجارب التشكيلية العربية المعاصرة فتولّدت رؤى تعبيرية وانطباعية ورمزية وواقعية جديدة وتجريدية وسوريالية وميتافيزيقية وصولاً إلى فن خداع البصر وغيرها من المفردات، وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنّ الفنون الشرقية القديمة والفنون الزخرفية والكتابة العربية، التي تركت أثرها الواضح على الفنون الأوروبية في مطلع القرن الماضي، بقيت تحمل في تجارب الفنانين العرب الذين تعاملوا مع التراث الزخرفي والحروفي أجواء التقنيات الغربية من دون أن تمتلك القدرة على تقديم ثقافة جديدة بعيدة عن الجماليات الحديثة التي طرحتها ثقافة فنون الغرب، لهذا ظل الفن العربي مرتبطاً بثقافة ليست من تراثه بعد أن وصل إلى التركيبية والعبثية وما إلى ذلك من اتجاهات وتيارات أوروبية وأمريكية.
ويوضّح مخزوم: هذا يعني أن التنظير المرافق لولادة اللوحة السورية والعربية المتعاملة مع التراث كان يستمد مفاهيمه من تعاليم بيكاسو وماتيس وبول كلي وجورج براك وقبل هؤلاء كلود مونيه ورينوار ومانيه وسيسلي، لأنّ قاموس الفن العربي، قبل مجيء هؤلاء، لا يحتوي مصطلحات اسمها انطباعية أو تكعيبية أو تجريدية غنائية أو تعبيرية انفعالية وما تفرّع عن هذه المدارس من مصطلحات لايزال الفنان المحلي والعربي يروّج لها، فالتجريد العربي الزخرفي يختلف في معطياته الجمالية والفلسفية عن معطيات التجريد العربي الحالي المتأثر بالتجريد الغربي.
يضيف مخزوم: إنّ المطّلع على تاريخ الفن العربي في مجال الرسم والتصوير وبخاصة في قممه التي مثّلها يحيى الواسطي يخلص إلى أنّ الفن العربي حالياً لم يكن بمثل ذلك السمو الذي وصل إليه منذ قرون منمنمات الواسطي الذي مثل النهضة العربية الأولى في الفن التصويري، بعد ذلك وقع الفن العربي في أسر التقليد والعادية أثناء وبعد الاحتلال العثماني، ولم يكن في مقدور الفنان العربي أن ينتج فناً حديثاً في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أي في وقت متزامن مع ولادة الاتجاهات التشكيلية الأوروبية الحديثة لأنّ من يعيش ذلك التخلف الذي عاشته أمتنا العربية في تلك الفترة لا يمكن أن ينتج فناً حديثاً بشكل أو بآخر بشهادة علم الاجتماع، من هذا المنطلق سعت معظم التجارب التشكيلية العربية المعاصرة إلى ترويج الفن كفعل ثقافي يطمح إلى استعادة الفنون الحديثة التي أفرزتها الحركة التشكيلية الأوروبية والأمريكية في فترات متعاقبة من القرن العشرين فقد ترك الفنان العربي الحديث الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام التجارب الفنية الغربية كلّها، وهذا ما أدى في أحيان كثيرة إلى ظهور تجارب تشكيلية عبثية تعطي انطباعاً مباشراً بأنّ الفن العربي الحديث لايزال يتخبط في أزمة الفنون الحديثة التي تعرفها عواصم الفن الكبرى حتى باتت الأزمة الفنية في تيارات التشكيل السوري والعربي الحديث هي أزمة علاقة مباشرة بحدة المراوحة في اجترار مفردات تشكيلية رسختها حرية التعبير المنفتحة على اتجاهات الفن التشكيلي العالمي المعاصر، هكذا سعت معظم التجارب التشكيلية العربية الحديثة منذ ثلاثينيات القرن الماضي لإظهار الدمج الحيوي بين معطيات الفنون الشرقية القديمة ومعطيات الفنون الغربية الحديثة حتى إن هذه التجارب أتت كحصيلة للتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأصبحت هذه الاتجاهات غريبة عن خصوصية التراث العربي.
ويرجع مخزوم سبب زيادة حدة التشابك بين تيارات الحداثة الغربية والشرقية إلى بروز حرية التعبير المطلقة في العواصم والمدن العربية التي أثّرت فعلياً في بريق الانفتاح على المغامرة والتجريب والعبث والتشكيل البدائي والطفولي وصولاً إلى حالات مزج الفن بمعطيات العلم والتطور التكنولوجي، يضيف: على هذا الأساس يمكن القول إنّ التجارب الفنية العربية الحديثة ليست اليوم إلا صدى لمعطيات الفنون العالمية المعاصرة وهي في النهاية صدى للتساؤلات التي تجسد توترات حياتنا الراهنة في مجتمعات مفتوحة على توترات وكوارث الحروب التي لاتنتهي.
وخلال المحاضرة التي قدمها مخزوم في المركز الثقافي العربي في الميدان تحت عنوان: «المراوحة في استعادة أجواء الفنون الغربية.. التشكيل السوري الحديث أنموذجاً»، بيّن أن المشكلة في جوهرها هي مشكلة ثقافية ناتجة عن سياسة العولمة وهي مشكلة تقوقع واجترار وانبهار بحضارة الآخر بدلاً من البحث عن نهضة تشكيلية مغايرة يمكن أن تعطي اللوحة والمنحوتة والتشكيلات الفراغية المختلفة منعطفاً اختبارياً جديداً من خلال التأكيد على اللون الشرقي والتراث العربي والجذور الحضارية كمنطق لتأكيد الخصوصية والانفلات، وتالياً من هيمنة الثقافة الفنية الغربية على توجهات الفن العربي المعاصر، مؤكداً أنّ الخلل الكبير الذي أصاب العديد من التيارات التشكيلية الحديثة المحلية والعربية يكمن في ارتباطها المباشر بالأجواء المستهلكة والمألوفة والمطروحة في الفنون العالمية منذ عقود، فالفن الشاب الذي يقدم اليوم في معارضنا يدخل ضمن إطار المغامرة، وتالياً يثير التساؤل عن مفهوم التشكيل الحديث ومسالك الابتكار وعلاقة التراث بالحداثة والمعاصرة، قد تكون بعض الأعمال الشابة وصلت بتعبيريتها التجريدية إلى ضفاف المدى التشكيلي العبثي الذي يرضي توجهات بعض المتذوقين النادرين لكن تلك اللوحات تقطف في أحيان كثيرة أجواء التخريب والتشطيب والتجميع بإدخال عناصر من المواد الهامشية على إشارات التعبير الدادائي وبذلك فهي لا تقدم أي جديد على صعيد البحث التشكيلي والتقني، لذلك يمكن القول عنها إنها لا تزال بحاجة لمزيد من التعمق والاجتهاد والبحث حتى يقال إنها واعدة فنياً، فمعارض الشباب تكشف في أكثر من حين عن حدة التداخل والالتباس بين تيارات الحداثة الغربية والشرقية وهي تستعيد أجواء الطروحات الأولى لأحلام اللوحة الغربية الحديثة التي سادت فنون العواصم الأوروبية والأمريكية، كما تستعيد أجواء معظم المعارض التي شهدتها العواصم والمدن العربي منذ عقود، ويمكننا أن نشاهد نماذج منها في معرض جماعي أو فردي يقام في أي مدينة سورية لدرجة يمكننا القول إنها تجمدت قبل انطلاقتها ودخلت مرحلة المراوحة مع استخدامها المفتعل لمعطيات تشكيلية اختبارية أو تجريبية تسيّرها المصادفة والحركات اللونية الانفعالية مع غياب أي تحديث أو إبداع في حركية الدلالات والإشارات اللونية والخطية.
وينوّه مخزوم بأنه ليس ضدّ الحداثة التشكيلية الأوروبية وإنّما شعوره بأنّ تطوير الفن العربي والكشف عن طابع الشخصية الثقافية والحضارية العربية بحاجة إلى مزيد من التعمق والاجتهادات الهادفة إلى عصرنة التراث، موضحاً: الفنان الأوروبي الحديث كان سبّاقاً في إدراك معنى الحداثة الكامنة في إعادة صياغة الزخارف العربية والرموز وبذلك أصبح من المتعذر في أحيان كثيرة توضيح الاختلاف بين اللوحة العربية الحديثة واللوحة الأوروبية.
ويختم مخزوم محاضرته بالقول: هناك فرق شاسع بين الدخول إلى عالم الشرق في شكل مفتعل وبين استعادة الطابع السحري لأجواء التراث العربي أو لبريق اللون المحلي الذي يوقظنا على حقيقة جديدة هي الانطلاق في رحاب مناخ الألوان الشرق أوسطية.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed