آخر تحديث: 2019-11-17 10:37:25
شريط الأخبار

محاولات جديدة لتطويع مسرح شكسبير في أدب الطفل تراعي الدعابة والطرفة د. لميس عمر: «روميو وجولييت» تعلمنا ألا نرث العداوات القديمة.. و«تاجر البندقية» تحضّنا على التراحم و«عطيل» تحثنا على الابتعاد عن الغيرة القاتلة

التصنيفات: ثقافة وفن

لفتت الدكتورة لميس عمر إلى موضوع بالغ الأهمية من خلال طرحها تساؤلاً عن امكانية تطويع مسرح شكسبير في أدب الطفل العربي.. لوهلة لم أجد في هذا الطرح حكمة أو رشداً.. لكن كان لابد من الاستماع الى كامل الفكرة والإصغاء جيداً لحديث شائق ولاسيما أن أدب الطفل وما ينقل اليه من معارف يحتاج الكثير من التأني والاختيارات المدروسة.
ترى الدكتورة لميس عمر أن أهمية شكسبير في الإرث الأدبي العالمي لم تقل عن أهمية ألف ليلة وليلة نظراً لعالمية المواضيع المتناولة في مؤلفاته وغناها من النواحي الإنسانية واللسانية والأسلوبية ولما يقدمه من قيم وعِبَر حياتية تفتح بصيرة القارئ وتوسع مداركه بغض النظر عن مستوى التعقيد اللغوي أو الفئة العمرية المستهدفة, وتؤكد هذه النظرية عبر مقولة لـ غريغوري دوران مدير رويال شكسبير الذي يعد من أبرز المهتمين بمسرح شكسبير في عصره بأنّ الكاتب قد برع في التوجه إلى كل فئات المجتمع في آنٍ معاً وهذا ينطبق حتى على فئة الأطفال وعندما نتحدث عن المحتوى الشكسبيري الذي نتناوله للتوجه إلى فئة الأطفال فليس بالضرورة أن يكون القصد تناول أعمال مثل «حلم ليلة منتصف الصيف» أو «روميو وجولييت» فحسب، ذلك أنّ أكثر ما يجذب هذه الفئة العمرية الحبكة المشوقة وجمالية اللغة والألفاظ ناهيك بالعبر الأخلاقية التي يستقيها المتلقي من هذه الأعمال الأدبية.
تعلم الدروس والعبر
تعلّم مسرحيات شكسبير الكثير من العِبر والدروس والقيم الأخلاقية التي يسهُل على المؤلف تناولها حتى مع إعادة صياغة الحبكة وتطور الأحداث فروميو وجولييت تعلمنا ألا نرث العداوات القديمة بين أهلنا وتاجر البندقية تحضنا على التراحم فيما بيننا وعطيل تحثنا على الابتعاد عن الغيرة القاتلة.
وتضيف الدكتورة لميس: لا شكّ في أنّ معظم مسرحيات شكسبير فيها من العنف ما يفرض جدلاً وتساؤلات عن إمكانية تطويعه لمخاطبة فئة الأطفال. ومن أولى المحاولات التي قدمت أدب شكسبير للأطفال باللغة الإنكليزية كتاب تشارلز لام وماري لام الذي جاء بعنوان حكايات من شكسبير, متناولاً مسرحيات (العاصفة, حلم ليلة منتصف الصيف, جعجعة بلا طحين, الملك لير, مكبث, ترويض النمرة, الليلة الثانية عشرة, أو كما تشاء, روميو وجولييت, هاملت أمير الدنمارك أوثيلو).
هذا الكتاب الذي كانت الهيئة المصرية العامة للكتاب قد ترجمته إلى العربية بعنوان (حكايات من شكسبير) ومن ثم ترجمته دار النيل والفرات وغيرها من دور النشر يمتاز بعرض واضح ومبسط لتلك الحكايات مع المحافظة على التعقيد والتقلب في الحبكة twists of plots ومع غياب الطرفة والدعابة كما هو الحال في الأعمال الأدبية الأخرى التي حاولت تطويع أدب شكسبير في القرن التاسع عشر وتوجيهه للأطفال مثل كتاب هينريتا ماريا بودلر أسرة شكسبير (1807). وقد اقتصرت هذه المحاولات لإعادة تأليف مسرحيات شكسبير على إفراغ المحتوى غير الملائم من هذه المسرحيات كالجرائم المروعة والمعارك العنيفة وظهور الأشباح فبسّطت المحتوى وتسلسل أحداث الحبكة بهدف تقديم الموعظة وتسلية الأطفال وإمتاعهم.
غير أنّ المحاولات الحديثة لإعادة تأليف شكسبير والموجّهة لفئة الأطفال تطوّع المسرحيات بطريقة لا تخلو من الدعابة والطرفة مع التقديم لفصول المسرحيات بطريقة توضيحية لإماطة اللثام عن الظروف المحيطة بالأحداث والشخصيات والقصد هو التخفيف من المبالغة في مشاهد القتل والإجرام الأخلاقي وتلطيف الألفاظ والتعابير وعدم وصف المشاهد العنيفة مباشرة، ومن الأمثلة على هذه المحاولات العمل الذي قدمته مارشيا ويليامز في كتاب عافاك، سيد شكسبير الذي تناول قصة ريتشارد الثالث بطريقة مبتكرة تحولت فيها مأساة الملك ريتشارد الثالث إلى عمل كوميدي فذّ فيه الكثير من الطرفة والدعابة.
ولم تبخل المؤلفة على القراء الصغار بالأسلوب المبسط الذي جعل هذا العمل المعقد في متناول أيديهم فقد وظّفت آلية الشرح والتوضيح التي تُعد أسلوباً لا غنى عنه في أدب الأطفال المستوحى من الإرث الأدبي العالمي عموماً فهي تضفي على المعنى الأبعاد الوجدانية للنص كعاطفة الخوف أو الطرفة بهدف شد انتباه القراء الصغار وتسليتهم مثال ذلك وصف ريتشارد الثالث بـ: ظهر أحدب وأنف مدبب وأنامل كأرجل العنكبوت تماماً كما لو أن الشخصية الموصوفة قد فرّت من حكايا الجن والقصص الأسطورية, فالهدف هنا يتمثل بالربط بين التشويه الجسدي المبالغ به للشخصية والتشويه الذي يشوب الشخصية من الناحية الأخلاقية والإنسانية.
كامل كيلاني رائداً
وفي مثال على محاولات الترجمة الجديدة تسوق الدكتورة لميس أمثلة من مصادر أدب الطفل في اللغة العربية ما دفع عدداً من دور النشر السورية إلى تبسيط روائع الأدب العالمي أو الأدب العربي مثل ألف ليلة وليلة، وسِيَر الأبطال وعظماء العرب والمسلمين، ومن بينها دار الشرق بحلب، لإعادة صياغتها وتقديمها إلى فئة الأطفال. وبرغم بروز عدد من المؤلفين الذين برعوا في أدب الطفل من أمثال محمد عثمان جلال والمخلصي وجبران النحاس وعادل أبو شنب وغيرهم إلاّ أنّ عدداً محدوداً من المترجمين والمؤلفين أبدى اهتماماً بالاستفادة من مسرحيات شكسبير لهذا الغرض.
فكان كامل الكيلاني أوّل المبدعين العرب الذين جسّدوا مسرحيات شكسبير في أدب الطفل فوظفوها خير توظيف لإشباع ميل الأطفال إلى القصص والحكايا الأخاذة على غرابتها فمسرحياته لا تخلو من شخصيات السحرة والجنيات والمجرمين العتاة لكنها في الوقت نفسه لا تخلو من المهرجين والشخصيات الطريفة التي تستقطب بفصاحتها وحكمتها اهتمام الأطفال وتقدم لهم المثل والقيم على طبق من فضة، وتعودهم على فصاحة اللفظ وقوة التعبير.
مثال: دُعابة البهلول في مسرحية الملك لير:
«وخشي البهلول أن يطغى الحزن على قلب لير فيهلكه، فجرى- على عادته- في مداعبته (ممازحته)، وراح يغنيه منشداً:
يا ليت لي- يا عمّ- طُرطورين! أعطيك طرطوراً من الإثنين
وأجعل الآخر نُصب عيني» (الملك لير، كيلاني، كامل ص 21)
لقد استخدم الكيلاني السرد المسترسل الذي لا يخلو من بساطة الصور وجمال التعبير لكي يحثّ الطفل على متابعة القراءة، ولتجنب الإطناب نجده يحافظ على عنصر الحوار الدرامي الذي يعزز المحاكمة العقلية لدى الطفل. وتتميز ترجماته لمسرحيات شكسبير بأنها «قريبة إلى الاقتباس، إذ كان يغير في كثير من المواضيع، ويلخص ويحذف ويضيف.» والهدف هو تقريب المسرح للأطفال وتصادف الأقدار أن يكون عام وفاة الكيلاني، هو بداية النشاط الفعلي لـ«مسرح العرائس» في مصر».
وتلفت الدكتورة لميس: في مداخلة للمؤتمر الدولي الأول حول «نشأة وتطور أدب الطفل في اللغة العربية» تناول باحث الدكتوراه في جامعة آسام سيلتشار الهند عبد القادر سعد محمد بصمات كامل الكيلاني في إثراء القصص الشعرية .
فالكيلاني لم يغفل عن أهمية الأناشيد والأشعار لأدب الطفل فانعكس هذا على ترجمته لمسرحيات شكسبير كالعاصفة وتاجر البندقية ويوليوس قيصر والملك لير.
في قصة تاجر البندقية أنشودة واحدة، وجدها «باسنيو» داخل الصندوق الرصاصي إلى جانب صورة «برشا» يقول فيها:
يـا أيهـا الموفـق السعـيـد رأيك – فيما اخترته – سديد
وأنـت فـيـمـا جئتـه رشيد وكـل مـا فعلتـه حمـيد
ونجد في قصة «يوليوس قيصر» ثلاثة أناشيد، الأول والثاني على لسان «قيصر» والثالث على لسان «أنطونيوس» في رثاء «بروتس»؛ يقول «قيصر» في القصيدة الأولى لزوجته في كلمة مليئة بالحكمة:
يحيـا الجبـان بقلـب والـهٍ فزعٍ
يخشى الردى ويهاب الموتَ مُرتاعاً
يمـوت ألفـاً ويخشى – من مهانته-
شـرَّ الحِمـامِ، ويبقى الدهر مُلتاعا
أما قصة «الملك لير» فقد جاء فيها أكبر عدد من الأناشيد، تقوم على أسلوبٍ حواريٍ شائقٍ، ومعانٍ حكيمةٍ رائعةٍ، منها قول البهلول للملك:
«اطلبه- إن شئتَ- من البنتين!
ألست أسكنتهما قصرين؟
ألست أعطيتهما تاجين؟
ثم وهبت المُلك ذئبتين؟
فاليوم تلقى أول النصفين
تُخليك من بيتٍ من البيتين
وفي غدٍ تشقى بطردتين
جزاءَ ما أخطأتَ في حُكمين»
(الملك لير، الكيلاني: ص 21-22)
من الجدير ذكره ان هذه الأناشيد والأشعار لا ترتبط بالحبكة ارتباطاً عضوياً لكن الكيلاني اختار تطويع الألفاظ وبنية المسرحيات التي ترجمها بما يتناسب مع هدف تبسيط العمل الأدبي ليتلاءم مع أدب الطفل، وتالياً لم يتوانَ عن المحافظة على تلك الأناشيد إدراكاً منه لأهميتها اللغوية والأسلوبية ولتشجيع الطفل على تذوق الشعر وإمتاعه بقراءته وحفظه وتالياً استخدم الإيقاعات المحببة للأطفال برغم أنها كانت تخلو من الصور والخيال وتعتمد على بساطة الألفاظ، كما يقول في الأنشودة التالية على لسان الشيخ لير في مشهد العاصفة:
«يا ريحُ: دويّي، دوّي ويا رعودَ الجوّ:
لا تهدئي، وعوّي وانتزعي حُنُوّي
وأحرقي عدوّي (الملك لير، كيلاني، ص. 40)
ولتسهيل قبول الألفاظ وحفظها وفهمها على الأطفال استثمر الكيلاني أساليب علم البديع والبيان فلجأ إلى المحسنات اللفظية من سجع وتضاد وغيرهما لشد انتباه الطفل وتحفيزهم على الاستمتاع بالقراءة.
ومن أمثلة السجع العبارات التالية من خاتمة مسرحية الملك لير:
«ما كانَ أَعْذَبَ صَوْتَها الرَّقِيقَ! وَما كانَ أَطيبَ قَلْبَها الشَّفيقَ!…. يا لَهُمْ مِنْ أَثَمَةٍ طُغاةٍ (مُجْرِمينَ مُعْتَدِينَ)! لقَدْ خَنقُوا «البُهْلُولَ» في السِّجْنِ، وَأَهْلَكُوهُ جَزاءَ وفائِه لِي! الوَيلُ لِلْجانِينَ! والوَيلُ للسَّفَّاحينَ» (الملك لير، كيلاني)
أما بالنسبة للتضاد والتنافر في اللفظ والدلالة فقد استخدمه الكيلاني لإبراز المعنى وإحداث صدمة لدى القراء فالكيلاني يكثر من استخدام اللفظ وضده، وخاصة عندما يريد توضيح الصورة، ما يترك أثراً اكبيراً في أعماق الطفل وينمي حصيلته اللغوية ويثري ألفاظه ومفرداته ومن ذلك:
«حلَّ الخصام محل الوئام»، «تكافئه إساءة بإحسان وعقوقاً ببر وغدراً بوفاء» وأجمل ما يميز ترجمات كامل الكيلاني لمسرحيات شكسبير هو تقديمه الشائق لها وتبويبه لتسلسل الأحداث كي تبرز تفاصيل الحبكة بعناوينَ جذابة فيها من الحكمة ما يوصل الرسالة إلى الصغار بأسلوبٍ متميّزٍ وسلس.
وتختم الدكتورة لميس في محاضرتها بمكتبة الأسد حول إشكالية الترجمة لأدب الطفل بأن أقلّ ما يمكن قوله عن مقاربة كامل الكيلاني لمسرحيات شكسبير هو أنّها ترتقي بأسلوبها إلى حد تضاهي فيه الترجمات الأكاديمية لهذه الأعمال الأدبية التي برع فيها جبرا إبراهيم جبرا وخليل مطران ومحمد مصطفى بدوي ومحمد عناني وصلاح نيازي وغيرهم من أعمدة الترجمة في العالم العربي، بل لربما تتفوق عليها من حيث الأسلوب اللغوي والسردي والشعري الحرّ ورشاقة التعابير، فقد أبدع في توظيف النهج الوظيفي functional approach في نظرية الترجمة حتى قبل أن يبرز هذا النهج في دراسات الترجمة النظرية، واستخدمه لغاية اجتماعية ثقافية وحضارية إنسانية فسبق بذلك رواد نظرية المعرفة التجريبية بعقودٍ من الزمن.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed