آخر تحديث: 2019-11-19 11:06:05

مشروع التحرر الوطني أولاً وثانياً… وأخيراً

التصنيفات: رؤى عربية

قبل أيام مرت علينا ذكرى حرب تشرين التحريرية، تلك الحرب التي شكلت، في حينها، علامة فارقة في تاريخ مشروع التحرر الوطني العربي. لقد جاءت تلك الحرب لتتوج عقدين من النضال خاضتها قوى التحرر العالمية ضد القوى الرأسمالية ومشاريع التوسع الإمبريالية.
شكلت مجريات تلك الحرب صدمة للمعسكر الرأسمالي، إذ استطاع الجيشان العربيان السوري والمصري اختراق دفاعات العدو الإسرائيلي بسهولة نسبية كان يُقدر لها- لولا خيانة السادات- تحرير قطاعات واسعة من الأراضي العربية المحتلة، بما فيها أراضٍ عربية احتلت عام 1948، تضاف إليها حالة الرعب التي سادت بين ضباط «الجيش الذي لا يقهر» والتي اضطرت الولايات المتحدة إلى التدخل بشكل مباشر لتخفيف حجم الهزيمة وآثارها. تلك المجريات قرعت ناقوس الخطر لدى أطراف المعسكر الرأسمالي، فاتخذ قراره بأن تكون تلك الحرب آخر الحروب الهجومية العربية ضد «إسرائيل».
حسب سمير أمين اتحدت مشاريع التحرر الوطنية في «مشروع باندونغ 1955» وخلقت جبهة واحدة (مجموعة دول عدم الانحياز) في مواجهة الهيمنة الرأسمالية على العالم. لكن هذه الجبهة بدأت بالتفكك بحلول عام 1975 وأصبح عدد كبير من أطرافها يبحث عن الخلاص الفردي من خلال الالتحاق بالركب الرأسمالي، تمثّل تراجع مشروع التحرر الوطني في منطقتنا بمجموعة من الأحداث أبرزها زيارة السادات للقدس المحتلة، واتفاقية «كامب ديفيد» والحرب العراقية- الإيرانية، ومبادرة الأمير فهد لـ«السلام» التي طرحها في مؤتمر الرباط عام 1982 بعد الاجتياح الصهيوني للبنان، وصولاً إلى اتفاقيتي «أوسلو» و«وادي عربة».
خلال الثمانينيات بدأ تراجع دور الاتحاد السوفييتي، الداعم الرئيس لحركات التحرر الوطني، وصولاً إلى تفككه بحلول عام 1989. وتتابع انهيار الدول والأنظمة الوطنية ولم يبقَ في ميدان المواجهة مع النظام الرأسمالي سوى بضع دول على رأسها سورية وإيران وكوبا.
منذ ذلك التاريخ كانت جميع المشاريع المطروحة على العالم قادمة من الشمال الرأسمالي.. في منطقتنا طرحت مشاريع «الشراكة العربية- الأوروبية»، و«الشراكة المتوسطية»، و«الشرق الأوسط الجديد»، وأخيراً «صفقة القرن». في الوقت نفسه غابت المشاريع المرتبطة بمصالح الدول النامية، التي بدأ معظمها يفقد سيادته الوطنية رويداً رويداً.
تمثلت أزمة الرأسمالية العالمية في تراجع نسب نمو اقتصادياتها، مقابل النمو المتزايد في اقتصاديات الدول النامية. لقد فقدت الرأسمالية العالمية سيطرتها على الكثير من الميزات التي أهلتها لقيادة الاقتصاد العالمي منذ مطلع القرن التاسع عشر، فالتكنولوجيا ونظم الاتصال والمعلومات أصبحت متاحة للكثير من دول العالم خاصة الاقتصاديات الناشئة في الصين والهند والبرازيل.. أما النظام النقدي والمالي الرأسمالي فلم يتمكن من استعادة عافيته بعد الأزمة المالية عام 2008 واستمرت الأزمات الاقتصادية المتتالية في دول المعسكر الرأسمالي. لهذه الأسباب مجتمعة لم يبقَ بين يدي الرأسمالية سوى ميزتها الأخيرة المتمثلة بالقوة العسكرية الضخمة والغاشمة.
لتأمين الظروف المناسبة لاستخدام هذه الميزة، افتعلت الرأسمالية سلسلة من الأزمات، وتدخلت «لحلها» عسكرياً. كانت الحرب في يوغسلافيا نقطة البداية، ثم أفغانستان، ثم الحرب على العراق، وما تخلل ذلك من عدوان جوي على اليمن والسودان وباكستان، والحرب على لبنان عام 2006، ثم ما يسمى «الربيع العربي» فالحرب على ليبيا وسورية واليمن. حققت الرأسمالية العالمية الكثير من الأهداف المتوخاة من هذه الحروب، فاعتقدت أنها استطاعت كتابة «نهاية التاريخ» مرة أخرى، لكن وبشكل مفاجئ اصطدم هذا المخطط بصمود الدولة السورية. لم يكن أشدّ المتفائلين يتوقع هذا الصمود، مقارنة بحجم الهجوم وعدد وقوة الدول المشاركة، سنتان مرّت والجيش العربي السوري يحارب وحيداً في الميدان بصمود أقل ما يقال عنه إنه أسطوري، قبل أن يكتسب ثقة العالم، بمن فيه الحلفاء، بأنه يسير نحو النصر.
تلقى حلف العدوان وأدواته الإرهابية هزيمة قاسية، وتشكّل محور تصدٍ للمشروع الرأسمالي يمتد من طهران عبر بغداد ودمشق وصولاً إلى لبنان واليمن. قدمت الاقتصاديات الصاعدة في الصين والهند وروسيا الدعم لهذا المحور، ليتبلور خط مواجهة جديد بين الغطرسة الرأسمالية وبين الشعوب الطامحة للسيادة والاستقلال.
وكما استطاعت سورية ترك بصمتها على الصراع مع الإمبريالية في 6 تشرين الأول 1973 استقبلت 6 تشرين الأول 2019 بأنباء اندحار العدو الأمريكي عن جزء من الأراضي السورية التي يحتلها بصرف النظر عن نياته، واعترافه بأنه غير قادر على تحقيق الانتصار. ما بين هذين التشرينين خاضت سورية معارك عسكرية وسياسية واقتصادية، وعانت خيانات القريب والبعيد إلا بعضهما وها هي اليوم تستعد للتصدي لموجة جديدة من المؤامرة، بتصديها للعدوان التركي على أرضها.
إن أي فكرة تقوم على إمكانية تحقيق التقدم والازدهار من خلال الاندماج بنمط السوق الرأسمالي، ليست سوى نوع من الأوهام، فأقصى ما يمكن أن تحققه أي دولة تخوض هذه التجربة هو تحولها إلى «مقاول من الباطن» للمشاريع السياسية والاقتصادية والعسكرية الرأسمالية. لذلك فإن قوى التحرر الوطني العربية والعالمية، مطالبة اليوم باستعادة «روح باندونغ» كما وصفها سمير أمين، والعمل على تشكيل جبهة في مواجهة المشروع الرأسمالي. هذه الجبهة رهن بتوحد القوى الوطنية الجذرية خلف برنامج سياسي اقتصادي يساعدها على تحقيق تنمية حقيقية، ويرسخ سيادتها الوطنية بعيداً عن الأوهام الليبرالية. وسورية المنتصرة قادرة على تولي زمام المبادرة وقيادة هذا المشروع. وكما ارتسمت في ذهن العالم صورة جمال عبد الناصر، وجوزيف تيتو، وسوكارنو، وجواهر لال نهرو كقادة لمشروع التحرر، فإننا اليوم نطمح لرؤية صور الرؤساء بشار الأسد، وحسن روحاني، ونيكولاس مادورو، وإيفو موراليس وهم يضعون حجر الأساس لمشروع تحرر وطني عالمي جديد.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed