آخر تحديث: 2020-05-28 17:50:05
شريط الأخبار

طويلة كانت أم قصيرة.. أوصلت رسالتها وعرّفت العالم بوجعنا سينمائيون سوريون: لم نوثّق الحرب كما يجب ونحن بحاجة لكاتب مدهش

التصنيفات: ثقافة وفن

«إنّها العالم الذي يتحوّل من خلاله المخرج إلى مستوى الآلهة.. يخلق من يشاء ويقضي على من يشاء ويصنع السعادة ويدمّر الحياة ويشكّل الصّراعات بانتصاراتها وفشلها بقسوتها ولينها..إنها إمكانات لاتنضب» إنّها السّينما، كما اختصرها المخرج الإسباني «كارلوس ساورا»، لكن من يسبق الآخر عموماً وفي السينما خصوصاً، الواقع أم الخيال؟ يجيب عنه المخرج السينمائي علي العقباني بالقول: حقيقة هذا السّؤال يحيرني، لكن يجب أن تتمتع كلّ الفنون بقدر مدهش من الخيال وإلّا لما سُميت فناً، والخيال البسيط فتح الآفاق أمام السينما منذ بداياتها، ففي عام 1913 قدّم المخرج البريطاني فيلم «سرقة القطار الكبرى» وكان الخيال فيه بآلات العرض البدائية، حيث اتفق المخرج مع العارض على عرض لقطة عامة لعبور القطار تاركاً له الحق بعرضها وقتما يشاء أثناء عرض الفيلم، لكنّ النّقلة الأكثر إدهاشاً في السينما هي مع فيلم «مولد أمي» فبعد تجريبه عشرات الأفلام القصيرة أعطى المخرج القوة لما سُمي لاحقاً «فن المونتاج»، ومعه ذهب الخيال إلى أقصاه، الخيال في السينما لا يكون بمراقبة أشياء لها علاقة ببعضها بل يكون باتّباع فكرة أو موضوع ومن ثمّ صناعة فيلم منها.
«السينما بين الواقع والخيال» عنوان الجلسة السابعة عشرة من لقاء «شآم والقلم» الثقافي الشهري التي أقيمت في المركز الثقافي العربي في «أبو رمانة»، وتحت هذا العنوان طرحت أسئلة كثيرة كان أوّلها: هل يمكن نقل الواقع كما هو إلى السينما السورية، تحديداً خلال سنوات الحرب؟ يجيب الناقد عمار حامد: أنا مع الخيال في الواقع، لأنه لايمكن نقل الواقع إلى الفن بشكل كامل، وتبقى الحقيقة ناقصة، خلال الأزمة تم إنتاج أفلام كثيرة، فهناك «العاشق» لعبد اللطيف عبد الحميد الذي انتهى مع بداية الأزمة وتنبأ لها، وهناك الأفلام التي نقلت الواقع كما هو كـ «أفلام نجدة أنزور»، ومنها ما تناول الحرب رمزاً مثل «مطر حمص» و«رجل وثلاثة أيام»، ورأينا أيضاً انعكاسات الأزمة على المجتمع السوري مثل «أنا وأنت وأمي وأبي» و«نهري بحري»، نحن كمؤسسة عامّة للسّينما، ملتزمون بنهج وطني معيّن لايمكن أن نخرج عنه، فالمؤسسة قدّمت أفلاماً متميزةً على مدار عمرها بتمويل من الدولة، وقدمت على مدار الخمسين سنة الماضية أفلاماً سجلت ضمن أهم مئة فيلم في العالم، أمّا بالنسبة لسينما القطاع الخاص في الأزمة فقد أنتجت فيلمين فقط هما «رسائل الكرز» و«بوط كعب عالي»، مضيفاً: عندما نقول سينما حرب أول ما يتبادر إلى الذهن الجنود والقتلى والآليات والألغام وغيرها، هناك أفلام عالمية تتحدث عن الحرب من دون إطلاق رصاصة واحدة من أول الفيلم إلى آخره ونخرج من الصالة ونحن مشحونون بشحنة عاطفية وإنسانية ليست لها حدود.
بدوره، يقول المخرج المهند كلثوم: نُتهم بالتخاذل بسبب إبداء وجهات نظرنا، من الصعب صناعة فيلم استناداً إلى قناعتنا من دون التعرض للانتقاد الداخلي والخارجي، البعض هنا يقول كفانا حزناً ونريد فرحاً، في روسيا اشتغل السينمائيون على توثيق الحرب بالأفلام الوثائقية وعلى مختلف الصعد، وبالتوازي كانوا يصنعون أفلاماً دعائية وتشجيعية وتوعوية وترفيهية، بعدها صاروا يقدمون أفلاماً روائية عن البطولات، ومنذ عام 2007 بدؤوا في بث السلسلة الوثائقية على قنواتهم التلفزيونية، أي عرضوها بعد فترة وليس أثناءها، نحن اليوم لم نستطع توثيق الحرب، بل تحدثنا عن أفلام كان يجب أن نتحدث عنها بعد الحرب، أعتقد أنه من سنتين تنبه المعنيون لذلك وبدؤوا في العمل على هذا المشروع.
ويتوافق رأي العقباني مع كلثوم، فيقول: سينما الحرب هي من الإشكاليات الكبرى في السينما، مضى زمن طويل على الحرب العالمية الأولى ولا تزال حتى اليوم ملهمة كثير من الكتاب والمخرجين السينمائيين، ولا نزال حتى اليوم نشاهد أفلاماً توثقها، نحن عشنا حرباً مدّة تسع سنوات ولم نصنع عن تلك الحرب ماكان يجب أن نصنعه، ليس في السينما فقط، بل في الأدب أيضاً، ربما نحتاج فترة تأمل ومراجعة حتى نستطيع استعادة أنفاسنا وصناعة أفلامنا..
والسؤال هنا: هل استطاعت هذه الأفلام إيصال رسالتها إلى المهرجانات الدولية؟ يجيب حامد: الدول العربية أكثر تحفظاً من الدول الأجنبية فيما يخص استقبال الفيلم السوري، فالعرب يشتغلون معنا كمزاج، أما الغرب كفن وحرفة، ففي بعض الدول يكون هناك مهرجانان أحدهما يقبل الفيلم السوري والآخر لايقبله، في أحد المهرجانات طلبوا منّا إرسال أفلام وأرسلت لهم خمسة أفلام وانتظرت ولم يأت الرد، وعندما خاطبتهم قالوا إنّ الأفلام لم تستحوذ على إعجاب اللجنة، ولاحقاً عرفت أنّ المعارضة في الخارج أرسلت أفلامها، هناك أفلام سورية كثيرة شاركت في المهرجانات خلال هذه السنوات وحصدت الجوائز.
ويضيف كلثوم: على الرّغم من وجود «فيتو» على الأفلام السورية التي أنتجتها المؤسسة العامة للسينما في معظم المهرجانات الدولية، لكنها هي من ساهم في إيصال صوت سورية إلى العالم عربياً وإقليمياً وعالمياً، لقد كان لها الفضل في تعريف العالم بالوجع السوري.
ولا يتجزأ الوجع السّينمائي عن الوجع السّوري العام، فالعمل على المنتج الفني صعب جداً وله منغصاته ومشكلاته، ولعل أهمها مشكلة النص، يقول حامد: في الستينيات كانت السينما السورية تعتمد على القصّة القصيرة والرّواية، بعدها عادت نخبة من الدارسين في الدول الأخرى وهم متأثرون بالسينما التي تنتجها، فقدموا في بداية مشوارهم أشياء تشبه طفولتهم وصارت سينما المؤلف هي الدارجة واستمرت سنوات طويلة حتى صارت من سمات السينما السورية، لكن الحرب قلبت الموازين قليلاً، مبيناً: مشكلتنا تكمن في الورق، فنحن بحاجة ماسة لنص جيد وكاتب سيناريو مدهش، تأتينا نصوص كثيرة من الشباب وكلها تفتقر اللمعة.
ويضيف كلثوم: السينما ليست مخرجاً فقط بل كاتباً، لا نريد نصاً نشتغل عليه، فمهما عالجناه لا يمكن أن يكون جيداً، لدينا مشكلة أيضاً في الصوت، أنا اليوم أبحث عن فني صوت ومساعد مخرج و«مونيتير» من أجل فيلمي الجديد! عندما أسس مشروع «دعم سينما الشباب» فرحنا لأنه مشروع مهم واعتقدنا أنه سيرفدنا باختصاصات مختلفة، لكن المتقدمين كانوا جميعاً من كلية الإعلام، ولم نجد نصاً جيداً أو بالأحرى لم يكنّ هناك نص سينمائي وكان الطاقم الفني والتقني هو حامل الفيلم وليس النص، ويخوض المشروع حتى اليوم تجارب، بعضها ينجح وبعضها لا، وبعده أسس دبلوم فنون السينما ووقع في المطب ذاته.
لن نقول اتّهامات، بل سنقول نقاطاً وأفكاراً في مكانها، ردّ عليها عمار حامد بالتفصيل، يقول: على الرغم من الملاحظات، وجود هذه التجربة في سورية كان عاملاً مهماً لبقاء حافز صناعة السينما موجوداً وبقاء الفكر والخيال والجموح الكبير تجاه الفن موجوداً لدى هؤلاء الشباب، ولولا هذه الفرصة لماتت أفكارهم في أرضها أو لذهبوا إلى جهات وأماكن أخرى، وكانت الفرصة متاحة أمام الجميع فالمعايير معروفة يتقدم الجميع بنص سينمائي ويصل العدد إلى أكثر من مئة ويتم تشكيل لجنة تعطي العلامات من دون معرفة الأسماء، لكن أقول يتم في النهاية اختيار خمسة نصوص، وهناك مهرجان مخصص لهذا المشروع، لكن للأسف لا يترافق مع حوار أو تفاعل حقيقي بين المبدع والمتلقي يساعدنا في الوصول إلى تصورات مشتركة، أما بالنسبة للدبلوم فنحن الهيئة الرسمية الوحيدة التي تقيم هذا الدبلوم بالاتفاق مع مركز التدريب الإذاعي والتلفزيوني ودرّس فيه سينمائيون ومسرحيون، أمثال مأمون الخطيب وباسل الخطيب ومحمد عبد العزيز ومحمد المالح ونجدة أنزور وجود سعيد ومهند حيدر، وتخرج طلاب كثر خلال السنين الخمس الماضية وأنا أركّز وأعول على ثلاثة منهم، العملية كلّها حراكية ونشتغل بالأدوات المتاحة لدينا، مضيفاً: نحن في هذا الوضع انتبهنا للشباب وأخرجنا لهم أفلاماً لا نريدها جميعها أن تشارك في المهرجانات الخارجية يكفينا فيلم واحد أو اثنان، هناك مهرجانات سينما شباب خارجية تخاطبني وتطلب مني فيلماً محدداً من دون معرفة اسم المخرج، ما أريد قوله الجيد لايخبئ ذاته. ولا تقف مشكلات السينما عند نص أو فني صوت بل تتجاوزها لتصل إلى الإعلام وغياب برنامج متخصص بالسينما وفنونها، يقول كلثوم: ليست لدينا برامج متخصصة بالسينما، بل هناك فقرات ضمن برامج صباحية أو غيرها تعدّ سريعاً وبأسئلة كلاسيكية، كان هناك برنامج وحيد هو «الفن السابع»، وللأسف هناك مسافة كبيرة بين أفلامنا وجمهورنا والسبب هو عدم وجود صالات عرض والوضع الاقتصادي والجمهور، فالجمهور تلفزيوني وليس سينمائياً، نحن نخاطب جمهوراً تعود على المسلسلات.
ويؤكد كلثوم أن السينما الوطنية لايمكن أن تنتج أفلاماً ترفيهية بالكامل وفارغة من أي مضمون ثقافي، يقول: نحن اليوم ضمن حصار اقتصادي ونشتغل بأجر يحصل يتقاضاه «كلاكيت» في الخارج، لكن نحن قررنا العمل ضمن الإمكانات الموجودة لكي نكون شركاء في عملية النصر الذي نعيشه اليوم، لكن صناعة السينما تتطلب منا الثقة بالشباب وإبداعاته وتتطلب منا تمويلاً كبيراً وزيادة التشبيك مع كل الوزارات المعنية بالأمر، نحن اليوم لدينا جهة إنتاج واحدة هي المؤسسة العامة للسينما إن توقفت ماذا نفعل؟ والقطاع الخاص جبان أو يعمل للتلفزيون فقط.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed