للنظر في مسألة العراق علينا ألا نكون متشائمين، فقوة العراق أيضاً في تنوع مكوناته، فهي العامل الوحيد الذي أفسد المائدة على الإمبريالية ومسلسل المؤامرات التي تحدق به، ومع ذلك سيخرج العراق من محنته كما فعل دائماً، وأيضاً لأنّ دينامية العراق لها أبعاد أخرى إيجابية لأنّ الأخطر من كل هذا هو الجمود، وأيضاً نحن أمام تحدّيين: حقّ الشعب في المطالبة بحقوقه ولكن أيضا حقّ العراق في دولة قوية، ولا شيء من هذا يتمّ على حساب الشيء الآخر، بل لا بدّ من التفاهمات وأن تكون مطالب الفئات الاجتماعية عقلانية، أي مقدوراً عليها من دون السقوف المستحيلة وأيضاً على الدولة أن تكون مقنعة من خلال برامجها وديناميتها ومبادراتها.. الإقناع فعل مزدوج في عرف الاجتماع السياسي.
في العراق وبكل بساطة، هناك تشجيع على كل ما يجعل أوضاع الدولة أقل من الطموح، وإعاقة متقنة لاستكمال بناء الدولة العراقية، وذلك لكي يبقى العراق «رهينة»، ذلك يعني بطريقة رياضية: الإبقاء على الاحتقان، وفي أي لحظة تحويل الاحتقان إلى مادة للعقوبة، وفي هذا الإطار الكلّ سيواجه الخراب: الدولة والمجتمع في آن واحد، والحل هو الإصلاح بوصفه ثورة تورث المناعة ضد «الاستعمال».. الشعب العراقي يستحق أن تنجز كل حقوقه، والدولة العراقية تستحق أن تكون قويّة، وهذا لا يعني أنّ وضعهما العام يجعلهما عرضة «للاستعمال» الإمبريالي، لا تستهينوا بهذا المفهوم لأنّه ساري المفعول على طول الخط.
ليس هناك تجانس في آمال النخب ولا في وعي المجتمع وتبقى هناك إشكالية الأولويات، ففي نظر المواطن تكون الأولوية هي العيش، يجب أن يعيش أولاً ليعرف ماذا سيفعل، ولكنها ضرورة وليست أولوية وطنية، فأولوية العراق الجمعي هي الأمن والسيادة واستكمال التحرر ليستطيع استكمال بناء الدّولة القوية، وكل هذا متداخل، والحل ليس في جانب واحد..
سيخرج متظاهرون، بعضهم يهتف بشعارات العدالة الاجتماعية وآخرون بقوة الاحتشاد.. سيهتفون حتى باللاّمعقول وحتماً سيوجد من سيركب هذه الموجة ويحرف العناوين والشعارات لأنّ المجتمع يعيش قضية حقيقية ولكنها قابلة لـ«الاستعمال» ويجب أن ينظر فيها كجزء أيضاً من الأمن القومي العراقي، لأنّه في النهاية وجب أن تكون الحكومة شعبية تنصت لآلام الناس، ليس الآن في ذروة الاحتجاج فحسب بل هذا واجب وطني يومي قبل فوات الأوان.
والشعب هو نفسه مسؤول أيضاً وإن كان لا يمتلك سوى «سلطة الهتاف»، مسؤول عن وعيه بما يجب أن يكون، بالمخاطر التي تحدق بالعراق وبأن يحافظ على يقظته ولا يقع في العدمية، فالأمر يتطلب اليوم مبادرة وطنية حقيقية وكبيرة لأنّ الشعب الذي له مطالب كثيرة سيكون هو أيضاً نقطة ضعف وربما يكون خنجراً في خاصرة العملية السياسية.
العراق مرصود، وسيحاربونه بمنطق الأشياء.. الشعوب المتضررة، في البداية، ستخرج لتطالب بحقوقها، وعند الوجود في الميادين ستتجاوز مطالبها الممكنة وحتى المعقولة حين تخضع لدوافع الاحتشاد، سترفع السقف، ستفكّر في اللاّمفكّر فيه، وهنا، خلف هذه التموجات يمكن أن تُستغلّ كل حركة غير مدروسة، ثمة ما هو مطالب شعبية حقيقية وثمة ما هو خطر استعجالي، وستجعلنا مخططات العدو نواجه صداماً ظاهراً بين مطالب شعبية ملحّة وأمن كيانات وطنية، ستبدأ حسابات الأولوية، وستسقط الأوطان ولن تتحقق حرية ولا تنمية، ولكن ستمضي تكتيكات «جين شارب» بالاحتجاجات إلى أن يختزل المطلب في موقف ثورجي عدمي لـ«إسقاط نظام».. وهل سيقوم بعدها نظام؟.. سيتطور العنف، وقد يصبح من الطرفين، سنتظلّم، سنثأر.. وسندخل دوامة العنف القصوى.
في جغرافيا سياسية متموجة، سياق حافل بتقويض ما بدا حدّاً أدنى من الاستقرار، اهتدت الإمبريالية إلى تصفية حسابات بقدرة فائقة على بثر الشعوب بشعارات مسرنمة عادة ما تتجاوز السقف لأنّها مأخوذة بهدير الحشد، وهنا تبدو الحقوق أمراً مطلوباً لكن في إطار أي رؤية ووعي بالمصير؟.. يجب من منظور الإمبريالية الغربية أن يجنح العنف إلى أقصى مدى، وحيث يتأكّد بالمعطيات المعكوسة أيضاً حجم «الاستعمال» لحراكات اجتماعية تقوم بأقصى العنف في السياق الاستراتيجي الخطأ، في العراق – إذ بات مطلب الإنسان هو العيش والأمن – يدرك هذا الإنسان أنه حرّ أكثر من أي وقت مضى، فالذاكرة ولاسيما ذاكرة الشباب قد لا تدرك الفوارق، لأنها لم تعش أهوال الديكتاتورية إلاّ بالسمع.. لكن العنف حين يصبح عدميّاً يصبح كارثة.
ويبدو أنّ قسماً من الشباب قد يغرّر به في موجة الغضب ولكن في العراق كغيره يوجد عملاء مهيّؤون لاستغلال أي انفلات، ذلك لأنّ الجغرافيا السياسية غير مستقرة بالكامل، ولا شكّ في أن في العراق خلافات بعضها طبيعي جدّا وله سياقاته الخاصة، لكن قلما أدرك البعض ما يشكله العراق بالرغم من كل ما يتربّص به، لأنّه غير مسموح له بأن يستقلّ بقراره، لم يعد من الممكن غزو العراق مرة أخرى، ولكن ثمة إمكانية لزعزعة استقراره واستعمال تناقضاته لمصلحة الفوضى. ولا شك في أن تكلفة العملية السياسية كبيرة ولن يُنتظر أن تكون عملية سلسة ومخملية، فالعراق خرج من حالة غزو وليس ثورة.
استطاع العراق أن يحبط مخططات كبيرة استهدفت وحدته واستقراره، لكنه ما زال محكوماً إلى درجة معينة بمعادلة ما بعد الغزو والاحتلال.. وبرغم ذلك استطاع أن يسجل مواقف تعزز استقلالية قراره كرفضه التطبيع و«صفقة القرن» وتعزيز علاقته بمحور المقاومة، حيث أدرك أنّ مصالحه المصيرية تكمن هنا وليس في المحاور التي تسعى لتخريب العراق، فتعاطى بنوع من المرونة مع الجميع، لكن لا أحد سيقبل من العراق أن يتعامل بمرونة إزاء المحور الآخر. فواشنطن تريد العراق معادياً لإيران وبعيداً عن سورية.. وقبل هذا كلّه، فإنّ العراق بات مخيفاً للمحور الأمريكي- الصهيوني، وبعض الخليجي أيضاً، خصوصاً الحشد الشعبي لما يمثله من حيث العدد ومن حيث التوقيت والاستنفار، ويخشى أنّ ما وحّده الحشد الشعبي ستمزقه الفوضى، والفوضى مطلوبة اليوم في العراق..
أزعجهم العراق حين بات الأكثر مطالبة بعودة سورية إلى جامعة الدول العربية والأكثر امتناعاً عن التحرش الإقليمي والدولي.. يزعجهم العراق لأنه حارب الإرهاب وهزم «داعش»، يزعجهم العراق لأنّه يتجه نحو الصين لإنجاز صفقات كبيرة، ولذلك بات مستهدفاً حتى بالقصف الإسرائيلي.. وأمور أخرى.
إنّ طاقة العراق النفطية والبشرية تخيف خصومه، كل شيء فيه بات مرعباً لهم: حشده الشعبي، نفطه، علاقاته القائمة والمحتملة، تناقضاته، حيث لم يستطيعوا أن يمحضوا قراره في اتجاه واحد، فتناقضات العراق ساهمت في حمايته.

*كاتب من المغرب

طباعة
عدد القراءات: 260