لا يحتاج مبدأ الوشيعة في علمي الميكانيك والكهرباء إلى شرح يعرفه التلامذة في المراحل الأولى للتعليم، ولكنّ استعمال الوشيعة في إحدى قصائد أدونيس كان بمنزلة اختراق المألوف الشعري, والمضيّ بالشعر إلى آفاقه القصيّة القادرة على تكثيف التطرّف الجمالي الذي لا يكون الفنّ فنّاً متألّقاً من غير اعتماده نهجاً يعكس التطرّف الشعوري, ويصنعه في الآن ذاته. فـ (إيكاروس) المستقدم من الأسطورة الإغريقية المعروفة يستمدّ في قصيدة أدونيس طاقته, وقدرته على التحليق من ذاته، لا من الجناحين المصنوعين من شمع أذابته الأسطورة وقتما اقترب من الشمس. فطار، وظلّ طائراً في القصيدة إلى الأبد، بعد أن انتهج مبدأ الوشيعة في ممارسة الالتفاف حول الذات، لتشكيل المجال المغناطيسي الجاذب، وتكوين الطاقة الذاتية التي تتناسب قوّتها طرداً مع كمّية الالتفاف حول الذات. ولم تكن صورة الوشيعة هي الاستثناء الدالّ على إجلال الفرادة، وجعلها مصدراً وحيداً لاستحداث ما يستحيل على الحياة المعتادة استحداثه، بل كان ذلك بمنزلة الـ (الثيمة) المبتكرّة في الأنموذج الشعري الأدونيسي الذي اختار له الشاعر اسم (مهيار الدمشقي) الذي «يأتي أعزل كالغابة وكالغيم لا يُردّ، يبدأ نوعه بدءاً من نفسه.. لا أسلاف له.. وفي خطواته جذوره».
ربّما كان ذلك التمركز الشعري حول الذات الخلاّقة في شعر أدونيس متسربلاً بتراثنا الصوفي الذي استحدث فكرة العبادة عشقاً, وحبّاً يبلغ بالعاشق حدّ الذوبان والفناء الكلّي، ذوبان العاشق الإنسان بالمعشوق الإله، ذوبان الذات في الموضوع، ليصبح الطرفان الذائب والمذوّب فيه أقنوماً واحداً يجري فيه الخطاب منه إليه، ويعبر الكون ليعود أيضاً منه إليه. وعلى منوال ذلك نسج الشاعر و(الباحث الأكاديمي) وفيق سليطين عدداً من قصائده التي بدا من تواريخ كتابتها أنها كانت بمنزلة اليوميّات التي يعقب بعضها بعضاً في مجموعة تحاكي اجتماع الأيام إلى الأيّام سمّاها (حطّاب الحكاية) والمجموعة بدت محكومة أيضاً بفكرة الارتحال من الذات إلى الذات، ومن الموضوع إلى الذات التي هي الموضوع والذات
المستغرقة في موضوعها، في الآن نفسه، وهي الموضوع المتعالي على مختلف الذوات أيضاً. لا تتناول يوميّات المجموعة كيفيات التماهي بين الذات والموضوع، بل تنطلق من عدّ الكائن (الدازاين) معطى تلقائيّاً صادراً عن التماهي بين الذات والموضوع، فينطلق التوتّر الشعري من ماهية الكائن وتعود إليه، تحلّق بعيداً في عوالم الكون وكأنّ تلك العوالم الخارجية مجرّد تفاصيل وتكوينات تلقائية من تكاوين الذات وتفاصيلها الثريّة العجيبة.

طباعة

عدد القراءات: 1072