لا تعتقد أغلبية منتجي الحمضيات أن هذا الموسم سيختلف عن غيره من المواسم، فقد اعتادوا سماع الكثير من الوعود مع نهاية وبداية كل موسم، لكن الواقع لا يتحرك قيد أنملة، إذ يستمر انخفاض الأسعار لما دون التكلفة، ما يرغم الكثير من الأسر على ترك الثمار تزين أشجارها!
مع بداية هذا الموسم هناك حل استراتيجي قد يُحدث خرقاً نوعياً في مسيرة تسويق الحمضيات التي استمرت على مدار سنوات بإيقاع واحد من الخسائر المتتالية، وهو فتح معبر القائم بين سورية والعراق، إذ اعتادت الأسواق العراقية على استيراد حاجة أسواقها من الحمضيات من المنتجات السورية، وخسر المنتجون السوريون الكثير عندما أغلق هذا المعبر الذي شكل لسنوات المنفذ شبه الوحيد للمنتجات المحلية، لما للأسواق العراقية من ميزات بالنسبة للإنتاج المحلي كالقرب الجغرافي، والشروط الميسرة التي تسهل انسياب المنتجات من دون وضع الكثير من الشروط والمواصفات التي قد تفتقد لها أنواع بعض المنتجات.
وإذا كانت الآمال المعقودة على الأسواق العراقية كبيرة، فإن هناك إجراءات أخرى تستعد الجهات المعنية للقيام بها في محاولة لإيجاد حلول لمشكلة التسويق وأسبابها، وقد بدأت في محافظة طرطوس. بعد الانتكاسات المتكررة التي مني بها مزارعو الحمضيات على مدى عقود يتخوفون اليوم من تكرار هذه الانتكاسات مع الموسم الحالي، فالإنتاج الكبير والمساحات الشاسعة المزروعة بالحمضيات، الذي يعمل به أكثر من /50/ ألف أسرة لم تشفع له ليكون محصولاً استراتيجياً، ولم يلقَ الرعاية والاهتمام المناسبين، فبقي معظم الإنتاج خلال السنوات الماضية يباع في الأسواق المحلية دون التكلفة الحقيقية، ومعظم المحاصيل بقيت على الأشجار من دون قطاف بسبب تدني سعره، وعدم وجود أسواق تصديرية.
هذا هو واقع الحال الذي يعرفه القاصي والداني، فهل سيتغير الحال هذا الموسم بعد أن سمعنا أن وزارة الزراعة عقدت الاجتماعات وبدأت التحضيرات الجدية لإنقاذ الحمضيات وتسويقها بالشكل الصحيح؟

رئيس مكتب الحمضيات المهندس سهيل حمدان قال: قبل نحو شهرين عملت وزارة الزراعة بالتعاون مع الهيئة العامة للاستشعار عن بعد من خلال الخرائط الجوية المتوفرة لديها على رسم خرائط لمناطق توزع الحمضيات وربط كل مساحة باسم المزارع وإعطائها رمز ( كود )، وتم تقسيم المزارع إلى شرائح والغرض من هذا العمل التعرف على ملكية كل مزارع من حيث المساحة والأصناف المزروعة، وبالتالي تجميع أكبر كمية من الأصناف في مساحة واحدة وبموقع معين من خلال بيانات مؤتمتة وهذا ما سمي برنامج الاعتمادية الذي لم يقتصر على محصول الحمضيات بل شمل جميع المحاصيل.
يقول المزارع أبو محمود من منطقة يحمور: سمعنا عن البرامج الجديدة التي ستعتمدها وزارة الزراعة هذا الموسم والتي لم تشمل كل المزارعين بل المزارعين الكبار الذين يملكون مزارع كبيرة ويعني هذا أن خسارتنا ستتكرر هذا الموسم وهذا ما أكده المزارع يوسف من منطقة حريصون في سهل بانياس بعد خسائر كبيرة لحقته المواسم السابقة، حيث اضطر هو والعديد من المزارعين إلى قطع أشجار من الحمضيات في مزرعته واستبدالها بالزيتون.
تخوف يعيشه مزارعو الحمضيات منذ سنوات، ويتساءلون: فيما إذا كان البرنامج الجديد سيحقق طموحاتهم ويسهم في تعويض المزارعين خسائرهم المتلاحقة خلال السنوات الماضية؟؟
استمارة إلكترونية
يضيف المهندس حمدان أنه خلال المرحلة الأولى من المشروع ستحدد استمارة إلكترونية لكل مشروع حمضيات فوق /25/ دونماً، وفي المرحلة الثانية ما بين 10- 25 دونماً، لتأتي المرحلة الثالثة أقل من /10/ دونمات، وخلال سنة ستتم أتمتة مزارع الحمضيات بشكل كامل وستكون مضبوطة في جميع المراحل بدءاً من البذرة وانتهاءً بالمستهلك، وهذا سيحتاج لعام كامل ونحن اليوم على أعتاب موسم الحمضيات ولن نستطيع تشميل جميع المزارعين ببرامج الاعتمادية خلال الموسم الحالي لأنه كما ذكرنا سابقاً يحتاج إلى عام كامل لتطبيقه على كل المزارعين والمزارع، لذلك سيتم اختيار مزارع كبيرة ملتزمة بالتعليمات والإرشادات الزراعية وسيتم دخول الشركات إليها وأخذ عينات وفي حال مطابقة العينات للمواصفات تبدأ العملية التصديرية للأسواق الخارجية، حتى يتم تشميل جميع المزارع التي رمزت وأعطيت الكود الخاص بها خلال الموسم القادم، وتالياً انضمام جميع المزارعين الراغبين لهذه المنظومة، إلا أن الانضمام لهذه المنظومة يبقى اختيارياً وليس إجبارياً، وخلال الأيام القادمة ستقيم وزارة الزراعة ورشة عمل بحضور الشركات التي ستمنح الشهادات لتعريف الجهات الحكومية المحلية والمزارعين على النظام الجديد لأسلوب الإنتاج الزراعي والتسويق حسب المواصفات العالمية في طرطوس واللاذقية الذي سيساعد المزارع على فهم هذا البرنامج وشروط الانضمام إليه.
من الكم إلى النوع
أضاف حمدان: أول ما يعنينا اليوم وأكثر من أي وقت مضى الانتقال بزراعة الحمضيات من الكم إلى النوع وخاصة في ظل برنامج الاعتمادية الذي سيعود بالفائدة على المزارع والاقتصاد الوطني وخاصة لمحصول الحمضيات الذي يعد أم المحاصيل لأن الحمضيات السورية وبسبب المواصفات التي تتميز بها من ناحية خلوها من الأثر المتبقي واللون والطعم والعصير شبه جاهزة للتصدير، وتالياً يحقق بشكل تلقائي برنامج الاعتمادية الذي يضم نظام الـ (غاب ) ونظام «أورغانيك» ( زراعة عضوية ) ومزارعنا شبه جاهزة ضمن نظام الـ (غاب ) لأن المطلوب متوفر منذ عام 1994، حيث لا توجد مكافحة كيميائية وتم التركيز بشكل كامل على المكافحة الحيوية، واعتماد الأعداء الحيوية، إضافة إلى التعليمات الزراعية وتعليمات وزارة الزراعة، فاليوم لدينا فرصة كبيرة للدخول في هذا النظام الذي يمنح إنتاج الحمضيات شهادة عالمية سواء لمزارع واحد أو لمجموعة مزارعين تؤهلهم الدخول إلى الأسواق العالمية وهذا ما تعمل عليه حالياً وزارة الزراعة، ويرى أن هذا هو الحل الوحيد والأمثل للوصول إلى ضبط العملية الإنتاجية للحمضيات في جميع مراحلها، وحالياً تم تسجيل شركتين (اسبانية وايطالية) في سورية لمنح الشهادات العالمية ( غاب – أورغانيك ).
مشاغل لا تحقق الشروط
ولاكتمال دورة العملية التصديرية للحمضيات وغيرها من الإنتاج الزراعي لا بد من وجود مشاغل للفرز والتوضيب والتشميع، تحقق الشروط والمواصفات التصديرية، وهذا للأسف اليوم غير متوافر إلا في ثلاثة مشاغل وقد تحتاج بعض التعديلات البسيطة حتى تحقق الشروط حيث توجد لديها البنية التحتية والإمكانات المادية، وأشار حمدان إلى ضرورة وجود هذه المشاغل، لأن فتح أبواب التصدير الخارجية مستحيل من دون وجود المشاغل وسوف يتم وضع شروط للمشاغل التصديرية حيث يمنع تصدير أي منتج من دون المرور بهذه المشاغل التي تحقق الشروط العالمية حفاظاً على سمعة المنتج السوري، إضافة إلى تصنيف المشاغل وتخصيصها كتصديرية أو للسوق المحلية، وحالياً تعد السوق العراقية هي المنفذ الوحيد للمنتجات الزراعية السورية التي لا تتطلب شروطاً تصديرية، وهي تعد كالسوق المحلية، ولكن هذا الوضع مؤقت فبمجرد تحسن الأوضاع في العراق ستختلف الشروط التصديرية إليها، لهذا لا بد من اتخاذ جميع الإجراءات لحماية المنتج السوري وتحضيره لدخول كل الأسواق وفق المواصفات العالمية.. من هنا لا بد من تقديم الدعم للمشاغل والمزارع والتاجر بحيث تسير الدفة بالاتجاه الصحيح.
أصناف منافسة وبقوة
وأشار حمدان إلى انخفاض تكاليف الإنتاج بالنسبة للحمضيات مقارنة بأي دولة بالعالم حيث لا تتجاوز /50/ ليرة سورية وإنتاجنا يغطي فترة طويلة من الموسم تمتد نحو ثمانية أشهر من منتصف أيلول وحتى آخر أيار. وأكد أن الأصناف الموجودة من الحمضيات تتميز بخصوصية فريدة وهي أن الصنف ذاته يمكن أن يكون عصيرياً ومائدياً، وأن بعض أصناف الحمضيات السورية تستطيع المنافسة وبقوة في السوق العالمية: مثل الكريفون والماوردي والفالنسيا، فمثلاً الكريفون غير المرغوب في السوق المحلية يحصل على أعلى الأسعار في السوق العالمية لذلك لا بد من تشجيع المزارعين على زراعة الأصناف المرغوبة عالمياً فالأصناف التصديرية لدينا تصل إلى 60% من الإنتاج أي /600/ ألف طن، فيما إذا صدّرنا 30 % من الإنتاج فقط والبقية تذهب إلى معامل العصائر نكون قد حققنا ثورة في السوق التصديرية للحمضيات وما له من عائدات مادية كبيرة على المزارع وعلى الاقتصاد الوطني.
أين معامل العصائر؟
عشرات السنوات والمطالب مستمرة لإقامة معامل للعصائر في الساحل السوري، طلبات كثيرة قدمت ورفضت بحجة الشروط الصناعية غير المتوافرة، وفي الوقت ذاته تمت الموافقة على إقامة معمل لحرق الإطارات ومعامل للأدوية في يحمور والصفصافة وسهل عكار، ومؤخراً تمت الموافقة على إقامة معمل للعصائر في منطقة صافيتا وهي منطقة بعيدة عن أماكن الإنتاج وغير مناسبة وبعيدة عن مرفأ التصدير.
عشرات الأسئلة تطرح: لماذا لم تعطِ الموافقات لمعامل العصائر في السهل، ولماذا لم يتم إنجاز معمل العصائر في اللاذقية الذي وضع له حجر الأساس منذ سنوات وحتى اليوم لم يوضع في الاستثمار؟
إن زراعة الحمضيات في سورية عامة، وفي الساحل السوري خاصة، زراعة مستقرة من ناحية الإنتاج الذي تجاوز المليون طن على مدى السنوات الأخيرة وخلال الموسم الحالي، وعلى الرغم من الظروف المناخية التي أثرت في إنتاج الأشجار المثمرة بشكل عام بقي إنتاج الحمضيات مستقراً قدّره المهندس سهيل حمدان- مدير مكتب الحمضيات في وزارة الزراعة بحوالي مليون طن منها /231/ ألف طن في محافظة طرطوس و/786/ ألف طن في محافظة اللاذقية حيث 64% من الإنتاج برتقال و18% يوسفي 14% حامض و 4% ليمون هندي زرع بمساحة 41636هكتاراً وبلغ عدد الأشجار الكلي /13672906/ اشجار منها /13182086/ شجرة مثمرة.
زراعة اللاذقية
يتركز الإنتاج الأكبر للحمضيات في محافظة اللاذقية، وتعمل فيه أكثر من ٤٥ ألف عائلة، والإنتاج المقدر هذا العام ٧٨٦ ألف طن، فما إجراءات مديرية الزراعة في اللاذقية لدعم المزارعين؟
مدير الزراعة في اللاذقية المهندس منذر خير بك يؤكد أن العمل يتم حالياً على برنامج الاعتمادية والتسويق الخارجي للمنتجات الزراعية السورية، ويتضمن البرنامج عدداً من الخطوات بهدف تشجيع الاستثمار الزراعي من خلال تحسين العائدات ومواكبة التطور الحاصل في التسويق العالمي، وإدخال المنتجات الزراعية السورية الأسواق المستهدفة، وإقامة مراكز فرز وتوضيب بما يحافظ على نوعية الحمضيات، وتشجيع القطاع العام والخاص على إنشاء معامل عصير ما يزيد في القيمة التسويقية.
أكثر من ٤٥ ألف عائلة تعمل في محصول الحمضيات في اللاذقية والإنتاج المقدر هذا العام ٧٨٦ ألف طن، فما إجراءات مديرية الزراعة في اللاذقية لدعم المزارعين؟
أضاف خير بك: بدأت الخطوات العملية في هذا البرنامج، حيث يتم اختيار المزارع الراغبة بالعمل بالزراعة IPM (الإدارة المتكاملة للآفات) من أجل الموسم القادم، حيث أصبح الآن في سورية شركتا توثيق للمنتجات الزراعية دوليتان وسيتم العمل على منح المزارع شهادة جودة من أجل التصدير، وتم تزويد هيئة تنمية ودعم الإنتاج المحلي والصادرات بأسماء عدد من الشماعات لتتم دراسة اعتمادها ومطابقتها المواصفات للعمل على التصدير، وتم تشكيل لجنة تضم ممثلين من وزارة الزراعة واتحاد الفلاحين وهيئة تنمية الصادرات وغرف الزراعة لفحص المزارع المرشحة للتصدير وإصدار شهادة جودة.
وعن الإجراءات المطلوبة لفتح الأسواق الخارجية للحمضيات السورية قال مدير زراعة اللاذقية: إنها تشمل اعتماد مواصفات الحمضيات السورية محلياً ونشرها عالمياً من خلال الدعاية والسفارات وخاصة لناحية خلوها من الأثر المتبقي من المبيدات والمشاركة في المعارض الخارجية، التواصل مع الجهات المعنية للإسراع في تنفيذ معمل العصائر، تحديد الأسواق المستهدفة بالحمضيات (العصير أو الثمار الطازجة) على المدى البعيد أو القريب وتحديد الأصناف المطلوبة ومواصفاتها، إضافة لتشجيع إقامة مشاغل الفرز والتوضيب الحديثة ووضع شروط صارمة وواضحة للمشاغل المعتمدة للتصدير وحالياً عددها ٥٠ مشغل فرز وتوضيب في اللاذقية، وأيضاً نشر مفهوم تخزين الحمضيات في البرادات أو الجو الغازي المعدل، إقامة معمل للعبوات الكرتونية المعتمدة في التصدير أو التسويق وبمواصفات قياسية متعارف عليها عالمياً، إحداث شركات خاصة مانحة لشهادة الإنتاج العضوي ودعمها ودعم المؤسسات الحكومية ذات التدخل الإيجابي، الحد من دور السماسرة والضمانة وتجار الجملة والمفرق وتحكمهم بأسعار الشراء والبيع، وضع شروط وضوابط الحمضيات السورية المراد تصديرها، حصر الدعم الزراعي بالمزارعين والمنتجين الملتزمين بالخطط الموضوعة والمواصفات المطلوبة.
بالأرقام
الإنتاج الأولي المتوقع ٢٥٦٨٣٩ طن حمضيات قابل للعصير من أصل ٧٨٦٨٩٨ طناً. تستهلك محافظة اللاذقية ١٠٠ ألف طن ١٢.٧% وهناك ٢٧٥ ألف طن قابل للتصدير ٣٥% ويبقى إنتاج فائض ٤١١ ألفاً بنسبة ٥٢%.
ونوه خير بك بضرورة تأمين خط بحري منتظم وثابت للدول التي نصدر إليها وخاصة روسيا وأوكرانيا وتأمين خط بحري منتظم عن طريق المرافئ السورية ما يقلل تكاليف النقل. ولفت إلى أن تقديرات الإنتاج ٢٠١٩-٢٠٢٠ في اللاذقية كالآتي: المساحة تتراوح بين ٢٩ ألف هكتار و٣١٥٧٧ هكتاراً العدد الكلي للأشجار ١٠ ملايين شجرة العدد المثمر للأشجار ٩ ملايين شجرة الإنتاج ٧٨٦٨٩٨ طناً – الزراعات الحديثة خلال الموسم الحالي -عدد الغراس الحديثة ٣١٧٩٣ غرسة-عدد الوحدات الإرشادية العاملة في مجال الحمضيات ٦٨ وحدة -عدد القرى التي تزرع حمضيات ١٨٢ قرية-أكثر من ٤٥ ألف عائلة تعمل في محصول الحمضيات في اللاذقية-وأضاف خير بك: إن الوحدات الإرشادية تقدم الاستشارات الفنية للمزارعين والعديد من المواد الجاذبة والطعوم السامة لفأر الحقل وتقدم الأعداء الحيوية مجاناً وتأمين الغراس والعديد من الندوات الحقلية.

طباعة

عدد القراءات: 1711