في زمن كان الاستماع فيه إلى الموسيقا الأوركسترالية الكلاسيكية والاهتمام بها يشبه الاقتراب من المحرم، اجتمع حينها كل من صميم الشريف وصادق فرعون وصلحي الوادي وأسماء أخرى ليؤسسوا أول نواة للثقافة الجمعية والاستمتاع بهذا الشكل الموسيقي الضخم الذي يعد لغة عالمية لا تنتمي إلى أمة معينة، برغم أن أصحابها أوروبيون ولكنهم استطاعوا كتابتها لتجذب عشاق الموسيقا العقلية بين كل الأمم، حدث ذلك في بداية الخمسينيات من القرن الماضي.
سلك «الشريف وفرعون» طريق الكتابة عن الموسيقا وأحوالها، أما الوادي فذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، ولاسيما بعد أن ترك له صميم الشريف مكتبته الموسيقية الضخمة من الكتب والأسطوانات قبل أن يترك دمشق إلى مدينة أخرى بداعي الوظيفة، من هنا بدأ شغف الوادي بالموسيقا، ليس أي موسيقا بل الأعمال العالمية والموسيقيين الذين استطاعوا إيصال موسيقا شعوبهم عبر أسلوب اتخذوه إلى العالمية مثل بيتهوفن وباخ وسيبيلوس وفيما بعد «إبان النهضة القومية للموسيقا» سلطان كوداي وبيلا بارتوك اللذان حذا حذوهما الوادي في بداية مؤلفاته لأنه أدرك جيداً كيفية إيصال موسيقانا إلى الأمم الأخرى.
قبل أن أدخل إلى تفاصيل بعض أعماله ينبغي أن أذكر بمشروعه وحلمه بتأسيس فرقة سيمفونية سورية حين سلك طريق الموسيقا وفضّلها على دراسة هندسة الزراعة (رغبة والده) ودرس الموسيقا بداية في الإسكندرية، وأكملها في الأكاديميات البريطانية ليعود إلى دمشق أواخر الخمسينيات يحمل ثلاث شهادات في الموسيقا «العلوم الموسيقية، التأليف الموسيقي، قيادة الأوركسترا»، ولم ينس صلحي الوادي دمشق حتى أثناء دراسته في الخارج، ولم تكن زياراته عادية، تمر مرور الكرام، بل يأتي وفي جعبته الكثير من البرامج والنشاطات، ففي صيف 1957م استطاع تشكيل فرقة سيمفونية صغيرة، قوامها أصدقاء من معهد الفنون ومن فرقتي الجيش والدرك الموسيقيتين، وبعد تدريبات مكثّفة قدم أول حفلة موسيقية سيمفونية في قبو فندق أمية الجديد ببرنامج غني وضخم حيث أدت الفرقة بقيادته «افتتاحية إيغمونت لبيتهوفن والفالس الإمبراطوري لشتراوس والسيمفونية الناقصة لشوبرت..»، وكانت هذه أول مجموعة موسيقية تقيم أمسية كهذه وتؤدي أعمالاً كهذه في سورية، وأستطيع القول إنها بداية تحقيق حلم راود صلحي الوادي في تأسيس فرقة سيمفونية في سورية والذي تحقق بشكل كامل في بداية التسعينيات.
وفي العودة إلى مؤلفاته الموسيقية وكما أسلفت، فقد شغلته تجربة المجري بارتوك في تحويل اللحن الشعبي المحلي إلى لحن عالمي، ففي بداية أعماله نقل عن الأستاذ وفيق فوق العادة كماً من الألحان الشعبية ودوّنها وصاغها ألحاناً لمجموعة موسيقية ضمت الوتريات «عائلة الكمان» وبعض الآلات النفخية الخشبية والنحاسية وقدم بعضها عام 1960م في مسرحية «يوم من أيام الثورة السورية» التي ألفها حكمت محسن بدعم من وزارة الثقافة والهدف منها تقديم هذه الألحان بلغة موسيقية عالمية صالحة للانتشار، وفي تجربة أخرى وتأثراً بالأسلوب الموسيقي السوفييتي شوستاكوفيتش الذي كان سائداً في القرن العشرين وتحديداً في عام 1966م حين وفاة شقيقته الأديبة هبة الوادي فكتب لأجلها عمله «قصيدة حب» وقدم في مهرجان التلفزيون التشيكي عام 1975م ولاقى اعجاباً كبيراً، وهو دراما موسيقية تروي الكثير من الذكريات من خلال ألحان من ملاعب الطفولة والشباب والحياة وعواطفه المتأججة مجسداً فيها فلسفته الخاصة في الحب والحياة والموت.
أما عمله «تأملات على لحن حياتي أنت» لمحمد عبد الوهاب، فيخلّد فيها الوادي هذا اللحن من خلال عمل موسيقي رائع، وهي من لحنين غنائيين أساسيين في الأغنية، الأول «حياتي أنت مليش غيرك وفايتني لمين» والثاني «كل ما يسبح خيالي، يسبق الفكر الخيال» مستهلاً بآلة التشيللو ومن ثم دخول الأوركسترا بحركة حيوية صاخبة، منتقلاً إلى ألحان في غاية العمق ومن ثم ينهي كما بدأ بالتشيللو.
وعمل آخر، وهو موشح «منيتي عز اصطباري» من مقام سي مينور، استقى لحناً غنائياً لسيد درويش الذي يعود تاريخه إلى عام 1920م وهذا اللحن لم يكن سوى الركيزة الأساسية التي بنى عليها مقطوعته هادفاً من وراء صياغته الغربية في البداية للبيانو ومن ثم إعادة كتابتها للأوركسترا، ألا تكون مخصصة للشعب العربي فحسب، بل لشعوب العالم كلها.
وهناك مؤلف آخر بعنوان «الافتتاحية» يعد من أهم أعماله، ينضح بالحداثة ويعطي فكرة عن تطلعاته المستقبلية للموسيقا، إنه عمل صعب يحتاج دقة متناهية في الأداء الأوركسترالي.
وهنا، أسأل، هل من كتب هذه الأعمال الموسيقية المفعمة بالعربية والشرقية يمكن له أن يكون ضد الموسيقا العربية، وهل فضّل الموسيقا الغربية على الموسيقا العربية، مطلقاً لا، بل رأى أنه لا يمكن أن يصنع موسيقا من دون أن يملك تقنية الموسيقا الكلاسيكية، وهذا هو الفرق بينه وبين الذين يؤدون العمل في الموسيقا العربية بمعزل عن العلم العالمي للموسيقا واستطاع أن يكتب أعمالاً بلغة عالمية كلاسيكية ولكن بروح شرقية مطلقة.
أخيراً، أخذت هذا الجانب من حياة صلحي الوادي حيث نعيش هذه الأيام ذكرى وفاته بعيداً عن أفضاله على الموسيقا السورية سواء من الناحية التعليمية «تأسيس معهدي العربي للموسيقا والمعهد العالي للموسيقا، وصولاً إلى تأسيس الفرقة السيمفونية الوطنية السورية، وأتمنى ألا يكون حنيننا إلى ماضي موسيقانا كالعودة إلى التاريخ عندما نفتقد الأمل بالمستقبل…لعله خير.

طباعة

عدد القراءات: 89