المسرح يبقى مسرحاً حتى لو تغيّرت الخشبة بالمعنى التقليدي وأقيمَ العرضُ في بيتٍ عربي أو في الشارع، وحتى لو كان هناك مُشاهِدٌ واحدٌ في الصالة، ولعلّ أحاسيس المتفرجين هي ما يشكلّ المسرح كنوعٍ فنّي من حيث التفاعل اللحظيّ والآني بين الممثلين، فماذا عن كيفية تلّقي الناس لهذه العروض، ومن أين يستمدون خبرتهم في فهمها ولماذا يتابعونها؟ ومن هم أصلاً متابعو المسرح وفنون الأداء؟
كإجابة عن هذه التساؤلات أجرى فريقُ «أَثَرْ» للدراسات الاجتماعية المعنيّة بالشباب السوري والمكوّن من ثلاث شابّات جامعيات مهتمّات بالشأن الثقافي ورقةً بحثيةً بعنوان «دراسة كيفية حول خبرة الجمهور في تلّقي فنون الأداء الجسدي» بالتعاون مع «غاليري قزح»» في دمشق القديمة.
حيث عمل الفريق خلال أربعة عشر شهراً (أي منذ أواخر 2018 وحتى اليوم) في محاولة للإجابة عن أسئلة البحث عن طريق المنهج الكيفي/الظاهراتيّ (الفينومينولوجيا) لفهم عادات وسلوك الناس في التعامل مع الظاهرة الثقافية عن طريق اللقاءات المباشرة وجهاً لوجه مع العيّنة المدروسة (60 شاباً وشابّة تراوحت أعمارهم بين 18 و35 سنة يعيشون في دمشق ومحيطها، إضافة إلى عدد من المختصين في المسرح هم: د. نبيل أسود، د. أسامة غنم، د. سامر عمران، مصممة العروض الراقصة نورا مراد، الراقصة والكريوغرافر حور ملص، المخرج ميار ألكسان، الراقص وديع خوري، المخرج مأمون الخطيب، والمخرجة آنا عكاش) ولعلّ من المستغرب أنّ مَنْ حضر الفعالية/اللقاء المفتوح هما الدراماتورج إبراهيم جمعة والممثلة رنا كرم فقط!.
وقالت يارا توما (خريجة إعلام 2010/قسم قياس الرأي العام) لـ«تشرين»: «إن أهمّ ما توصلنا إليه في دراستنا ولقاءاتنا مع مجموعات متنوعة من الشباب هو عادات الفِرجة عند السوريين التي يمكن أن نلخّصَ أهمّها بأنّ: بعض الجمهور السوري يحاول التظاهر بأنه غير موجود، وينظر للجسد كعلبةٍ يقبعُ المرءُ داخلها وهذا ما يعوقه عن قراءة ما يحاول الجسد قوله تحديداً في عروض الرقص، وأن العروض الراقصة تقوم أساساً على أجسادٍ تتحرك وتتفاعل وتتلامس ونحن كمجتمع ما زلنا لا نتقبّل عملية الانكشاف على الآخر».
بدورها نور أبو فرّاج (ماجستير علاقات عامة من كلية الإعلام) أوضحت «أن الأهم بالنسبة لنا هو التفاعل بين الجمهور والعرض، فالناس الذين يعبّرون بشكل مباشر عن رأيهم سواء عن طريق التململ في مقاعدهم أو الضحك أو الهمسات الجانبية أو الاندماج الكلّي وحبس الأنفاس والتصفيق الحارّ في النهاية… كل هذه الأفعال وردود الأفعال هي ما تهتم به الدراسة التي أجريناها».
بينما بيّنت دينا أسعد (وهي حقوقية ومهتمة بالشؤون الثقافية) أنّ أهمّ الحواجز التي تعوق الجمهور السوري عن الذهاب إلى المسرح هي: «غيابُ الإعلان والترويج اللذين يأتيان في رأس القائمة، ثم الموقف السلبي من الفنون بسبب بعض المواقف المسبقة الدينية والأخلاقية عند البعض، ثم مستوى العروض المقدّمة وغياب ثقافة الذهاب إلى المسرح كجزء من الحياة اليومية» بينما وضعتْ «الرقابة» في آخر القائمة تبعاً لإجابات الجمهور.
وكان «فريقُ أثر» قد عَرَضَ عدّة فيديوهات توضيحية مشغولة بطريقة «الغرافيك» و«الإنيميشن» وفتحَ باب النقاش والمداخلات والملاحظات التي اتّفقت على أن الورقة البحثية تنقصها دراسة جمهور المسرح الشعبي التجاري، والمسرح العسكري (مسرح 8 آذار) وخصوصية كل منهما، وأنه حبّذا لو كانت هناك مقاطع مصوّرة تعرض جلساتِ النقاش واللقاءات مع شباب وشابات العيّنة المدروسة لزيادة الموثوقية والأثر الإيجابي.
كما روى الشاب محمد العنبري من تجربته الشخصية فقال: «أسكن في العشوائيات وشغلي المسرحي كان فيها، لم أستهدف في عملي الشريحة المثقفة أو طلاب الجامعات إنما عامة الناس، وحين كنت أسألهم لماذا لا تحضرون عروض المسرح الراقص؟ كانت إجاباتهم بأن هناك من لا يملك الوقت، وآخرون يركضون وراء الرغيف واللقمة، وهناك من يردّ بأنه ليس مضطراً لقضاء نصف ساعة على رؤية شخص «يشوبر» (يهز يديه وجسمه كيفما اتفق)، أما بعض مثقفينا فللأسف باتوا معتادين على اللقمة الجاهزة بمعنى أنهم لا يُشغِلون تفكيرهم بالرقص وفك شيفراته وتطويره».
وكان للراقص «وجد منصور» رأيه إذ قال: «ما زالت بعض الفرق الراقصة تقدم عروضاً مشوّشة وغير مفهومة سواء في الرؤية الإخراجية أو الدراماتورجية، ولذلك علينا أن نعذر المتفرج إن قال إنه لا يفهم ما يشاهده. وعندما نقدِّم له نتيجة على الخشبة من دون إيضاح سببها المنطقي، فمن حقّه أن يعترض على عدم الفهم، ولاسيما أن العروض الراقصة باتت تتسم بالكثير من التجريد وهذا يتطلّب تلقياً من نوع خاص أصعب من الفرجة على المسرح التقليدي المشتمل على الحوار والشخصيات والحدث الواضح، لذلك علينا مراعاة هذه الأمور في المسرح وفنون الأداء عموماً».

طباعة

عدد القراءات: 1166