من مكانه خلف آلة القانون قاد الشاب الطالب في المعهد العالي للموسيقا أوج أبو زيد فرقته الشبابية المؤلفة من خمسة عازفين في الأمسية التي أقامتها الفرقة مساء الإثنين الماضي، مختارين المركز الوطني للفنون البصرية نقطة انطلاقهم من دمشق وإلى بقية المحافظات.
الفرقة التي عزفت عشر مقطوعات موسيقية معظمها من تأليف وتوزيع قائد الفرقة، أظهرت أداءً رفيع المستوى بالنسبة لشباب مازالوا يقفون على ضفاف الاحتراف، فباستثناء مدير الفرقة تتنوع دراسات الشباب بين كليات الطب والهندسة، وهو ما لم يمنعهم من تنمية مواهبهم أخذها على محمل الاحتراف الموسيقي، وجاء توزيعهم على الآلات كالآتي: عازف القانون ومؤسس الفرقة أوج أبو زيد، وحيان التقي على العود وقد انضم مؤخراً إلى الفرقة، وكرم الباروكي وعهد كيوان على آلة الكمان، وأنس حديفة إيقاعاً ويزن نعيم غناءً.
بدأت الفرقة بمقطوعة «رقصة هوفتاكاه» وهوفتاكاه تعني «أوج» باللغة الفارسية وهو اسم قائد الفرقة، وكانت من تأليفه وتوزيعه وجاءت على مقام الحجاز، وكانت المعزوفة رشيقة وسريعة وكأنها حالة من النشوة لراقص أثناء العزف من روح الإحساس.
ثم انتقلت الفرقة لمقطوعة تنويع «كاركرد» وكانت على مقام الـ«كاركرد» وهي من أفضل المقامات الموسيقية وأجملها بالنسبة لـ «أبو زيد»، الذي يرى أنه – أي المقام- يحمل كماً هائلاً من الإحساس والجمال والحزن والعمق، لذلك قام بإعادة توزيعه حسب رؤيته الخاصة له.
مقطوعة «أرابيا» وهي من تأليف الملحن العالمي جهاد عقل، قام أبو زيد بتوزيعها بطريقة مختلفة حيث تناسب جو الطبيعة وتأقلم الإنسان معها، واعتناقه الحب والفن والسلام، وجاءت على مقام «نهاوند-دو».
مقطوعة «القدر» كانت أيضاً من تأليف الشاب الموهوب أوج أبو زيد، وفيها قدم رؤية خاطفة لسيرة حياته الذاتية وكفاحه للوصول إلى حلمه وكيف أن القدر الذي كان يراقبه عن كثب أب رؤوم، يشذب أمامه خطواته اللاحقة خطوةً خطوة ليمشيها أبو زيد بكل ثقة بأن القدر يسعى معه لتحقيق هذا الحلم، وكانت على مقام «لامينور» أو «نهاوند-لا».
«الأمل المجهول» جاءت على عدة مقامات، فقد غزلها مؤلفها الشاب بحماس، فبدأها بمقام «الكورد- فا» وأنهاها بمقام «العجم-دو» الطبيعي، فكانت المقطوعة تعلو بنا تارةً وتهدأ تارةً أخرى كالأمواج الراقصة.
مقطوعة «موسيقا الانتصار» أهداها أبو زيد لبلده السويداء بعد انتصارها على الإرهاب في يوم «الأربعاء الأسود» فبدأت من العلامة الموسيقية «سي بي مول- مينور» وحملتنا إلى عوالم مدهشة من القوة والفخر.
كما عزفت الفرقة مقطوعة «الأعياد» وهي من تأليف عازف العود العالمي «نصير شمّة» وتوزيع أبو زيد، وقد تنوعت بين «مقامات البيات» و«الرست» و«الحجاز» واختتمت بـ «الحجاز».
وقدمت الفرقة أغنية «شو عم يصير فيك» بصوت الشاب الموهوب «يزن نعيم» والذي قدم أداءً احترافياً بصوت قوي ومتين، والأغنية من كلمات وألحان قائد الفرقة، وقد بث عبرها رسالة إلى كل الشباب المهاجر، ودعاهم فيها إلى العودة إلى وطنهم الأم والمساهمة في نفض غبار الإرهاب عنها وإعادة إعمارها، وتقول كلماتها: شو عم بيصير فيك.. وين رحت ما عدت حكيت.. الهيئة الغربة بعدتك يا شريك.. لا تقلي انو الماضي نسيت.. لأنو الماضي أجمل شي فيك.. يا خيي هي الأرض عزتنا وكرامتنا.. ولو مرقت بشتي رح نكون جنودها.. ولو طال الزمن بأيدي وإيدك منعمرها.
وأنهت الفرقة الحفلة بمقطوعة «رقصة ستي» وأهدتها لياسمين الشام.
الفرقة الشابة التي تحمل اسم علّامة حساس المقام الأساسي «مقام الراست» قدمت لنا ساعة من المتعة التي تجعلك تثق بأنك تقف في حضرة المستقبل، وأنت مطمئن لأن الموسيقا السورية مازالت ولاّدة بمواهب فتية شابة لم تنجرف وراء تيار الأغاني الهابطة التي أغرقت المسامع حتى الجنون، بل مازالت كل يوم تبني سفينة نوح لحناً لحناً، وتجمع فيها من كل محافظة مقاماً أو أغنية لترسو بها على شط الموسيقا الأم واللحن السوري الأصيل والباقي بعد انتهاء هذه العاصفة الهوجاء، التي زادتها الحرب سوءاً.

طباعة

عدد القراءات: 151