كان هاجس دونالد ترامب منذ دخوله البيت الأبيض زعزعة القواعد القديمة على الساحة العالمية، إذ قال: «إن الأمم المتحدة فاشلة وتخلق من الأزمات أكثر مما تحلّ».
يخطئ من يظن أن الأمم المتحدة مستقلة القرار والسلوك والهدف، فقراراتها الحاسمة أغلبيتها في يد واشنطن، وهذا لم يأتِ عفو الخاطر، وإنما ومدروس منذ تأسيسها (1945) وتحديد مقرها في «نيويورك» بناء على طلب أمريكا، وكان لها ذلك.
وساذج أيضاً من يعتقد أن الكرم الحاتمي لواشنطن الذي تدفقه على المنظمة هو سخاء وعطاء، بل هو لغاية في نفسها، فهي تقدم قرابة ربع ميزانية المنظمة (23% بينما اليابان 12% وألمانيا 8%)، ناهيك بالعطايا والهدايا العلنية والسرية، لجميع أجهزة الأمم المتحدة، وهذا طبعاً ليس حباً بالمنظمة، بل لاستغلالها والتدخل في شؤونها وتسييس قراراتها، ولاسيما فيما يخصّها ويخصّ ربيبتها «إسرائيل»، وهذا ما جرى ويجري اليوم مع المنظمة الأم.. والفروع مثل «أونروا».
لاشكّ في أنه من المفترض، كما أريد لها أن تكون، المنظمة، مصونة ومحصنة دبلوماسياً، وتعدّ أرضاً عالمية وقراراتها لا تخضع للقواعد الأمريكية، لكنها في الحقيقة غير ذلك، وفاحت رائحتها حتى أزكمت الأنوف، الأمر الذي دفع رئيسة الاتحاد الروسي فالنتيا ماتفيينكو للقول: «يجب على المنظمة أن تقرر هي بنفسها من سيحصل على تأشيرات للمشاركة في فعاليات المنظمة في دورتها (74)، ويجب أن تكون حرّة ومستقلة في تحديد أعضاء الوفود.. وحرمان واشنطن من التأثير على تشكيلة الوفود الوطنية، عبر الحرمان أو التلاعب بالتأشيرات في كل مناسبة أممية»، بل إن تدخّل واشنطن السافر وخاصة مع الوفد الروسي (وهم من الخمسة الكبار) «فيتو» دفع سيرغي لافروف إلى المطالبة بنقل مقر المنظمة خارج الولايات المتحدة.
هذا منطق ترامب- واشنطن الذي يذكرني برواية «تاجر البندقية» لوليم شكسبير، حيث أقرض التاجر اليهودي الجشع «شايلوك» صديقه «أنطونيو» الذي استقرض المال لصديقه «بسانيو» وليس له، ولكن «شايلوك» اشترط على أنطونيو اقتطاع رطل من لحم جسده إذا ما عجز عن سداد الدين في موعده، هذا هو منطق التاجر ترامب اليوم، مع الاختلاف في أن ساكن البيت الأبيض لا يُقرض وإنما يستولي على ثروات الأمم والشعوب بالترهيب تارة، وبالترغيب بالحماية الكاذبة تارة أخرى.
آن الأوان للجم واشنطن، بعد أن تجاوز تغطرسها كل الحدود والأعراف الدولية والدبلوماسية.

طباعة

عدد القراءات: 398