لم تكن الحرب المعلنة على سورية حرباً عسكرية، فمنذ الوهلة الأولى حملت طابعاً اقتصادياً وأصبح الجميع يعلم أنها حرب اقتصادية في الدرجة الأولى، ولم تتوقف هذه الحرب الاقتصادية على العقوبات المفروضة، فقط بل تعدتها لتتمثل في جزء منها في عمليات التهريب، وما يترتب عليها من نتائج انعكست سلباً على الصناعة الوطنية والخزينة العامة للدولة معاً، وحتى على المواطن الذي تضرر صحياً واقتصادياً منها، فلطالما سمعنا في وسائل وقنوات الإعلام الرسمية عن بضائع مهربة مجهولة المصدر استهدفت في بعض الأوقات صحة المواطن قبل جيبه.
من هنا «تشرين» استقصت آراء المواطنين في الشارع الذين طالبوا بمكافحة التهريب.. محمد علي: قال لا بد من ضبط السوق وحمايته من البضائع المهربة التي أضرت بصحة الناس قبل جيوبهم. سحر يونس قالت لـ «تشرين»: أنا شخصياً تضررت من هذه البضائع وأصبت بتسمم من أحد المنتجات الغذائية ليتبين فيما بعد أنها مهربة، محمود الخضر- صاحب معمل لصناعة الغذائيات قال: أضرتنا البضائع المهربة جداً وحملات المكافحة ضرورية جداً خاصة لتنشيط دورة منتجاتنا في السوق.
تحرٍّ عن المهرب
في المقابل كشف مصدر خاص لـ «تشرين» في المديرية العامة للجمارك، أن مديرية مكافحة التهريب تقوم بالتحري عن البضائع المهربة سواء في المحال التجارية أو المستودعات وفق أوامر تحر موقعة حسب الأصول، وبرفقة مندوب من غرف التجارة والصناعة حسب الحالة الواردة، منوهاً بأن المديرية تعمل وفقاً لمبدأ الرقابة اللاحقة، وذلك فيما يخص عمليات التحقق من صحة الاستيراد.
أهمية
أما عن أهمية هذه العمليات، فقد بين المصدر أن مكافحة التهريب تساعد في حماية المجتمع، من خلال منع تسرب البضائع المجهولة، التي لا تخضع للرقابة سواء من ناحية إمكانية استخدامها أو إجراء التحاليل اللازمة للتحقق من صلاحيتها، مضيفاً أن مكافحة التهريب تؤدي لرفد الخزينة من خلال تحقيق المخالفات الجمركية ودفع الغرامات المتوجبة، ولاسيما في ضوء ما يعنيه التهريب من حرمان من الموارد وعدم تأدية الرسوم المتوجبة.
عودة الملايين
مئات الملايين عادت إلى الخزينة العامة وفق المصدر منوهاً بأنه تم تحقيق عدة قضايا نوعية في هذا المجال، شملت أنواعاً مختلفة من البضائع، وبلغت غراماتها عشرات الملايين من الليرات، وتابع المصدر قائلاً: لقد قمنا في المديرية بتكثيف الحملات من أجل القضاء على التهريب وتجفيف مصادره.
وجهة نظر
الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر سنجر أكد لـ «تشرين» أنه يجب عدم النظر لحملات مكافحة التهريب بطريقة منفردة، وبمعزل عن بقية التغيرات والقرارات والإجراءات المتخذة التي صدرت خلال الفترة الماضية، وذلك انطلاقاً من تعزيز وحماية المنتجات الوطنية، وتالياً حماية الصناعة المحلية والعاملين فيها وتعزيز دور القطاع الصناعي في دعم الاقتصاد الوطني وحماية موارده.
وأضاف سنجر: إن عملية مكافحة التهريب هي عملية ليست آنية بل هي عملية مستمرة، وأولى غاياتها هي حماية المنتجات الوطنية، ومنع المنتجات المهربة من الحصول على حصة سوقية بدلاً من المنتجات السورية، كما إن لموضوع موثوقية المنتجات المتوافرة في الأسواق من ناحية عدم تأثيرها في صحة الإنسان دوره في تكثيف هذه الحملات، مؤكداً إمكانية النظر للحملات المتكررة بأنها خطوات متتالية غايتها منع فرض انزياح سعري لا يتناسب مع تكاليف إنتاج المنتجات السورية، فوقف هذا الانزياح السعري بسبب المنتجات المهربة سينقذ الصناعة السورية من الآثار السلبية لارتفاع تكاليف الإنتاج، مقارنة بالمنتجات المهربة.
التنسيق مطلوب
وأشار سنجر إلى أن التنسيق بين الجهات المعنية ضروري جداً لوضع آلية لضمان تعظيم النتائج الإيجابية لحملات مكافحة التهريب، وتقليل آثارها السلبية كاستفادة بعض التجار والمنتجين من هذه الحملات لرفع أسعار المنتجات المحلية، إضافةً إلى التعليق على شماعة سعر الصرف وارتفاع أسعار المواد الأولية.
الأداة الأمثل
وأوضح سنجر أن ضبط سعر وجودة المنتج الوطني وتوافره هو الأداة الأمثل لضرب المنتجات المهربة بالتوازي مع تجفيف منابع وأسواق التصريف وفرض الغرامات المالية على المخالفين، ما سينعكس حتماً على شكل انخفاض للطلب على المواد المهربة وعدم الرغبة في الترويج لها، مقابل ارتفاع الطلب على المنتجات المحلية ذات الجودة والسعر المناسب.
شرطان أساسيان
وفي الختام كشف سنجر أن خلو الأسواق تماماً من المواد المهربة هو أمر صعب لكونه يتعلق بآلاف الكيلومترات من الحدود، ويتعلق بمدى استمرارية وكثافة هذه الحملات، مضيفاً أنه عادة يظهر أثر هذه الحملات على مرحلتين زمنيتين مختلفتين، ومن هذه الآثار ما هو سريع الظهور ومنها ما يتطلب فترة زمنية أطول، فالرهان اليوم يعتمد على شرطين أساسيين هما مدى رفع ثقافة دعم المنتج الوطني لدى المستهلكين، ومدى جدية سياسة إحلال المنتج المحلي بدلاً من المنتجات المستوردة.

طباعة

عدد القراءات: 170