آخر تحديث: 2020-05-24 23:14:18
شريط الأخبار

لا أدب بلا حرب هلا أحمد علي: بطل روايتي «إيميسا» هي الحرب.. وانطلقتُ من المجتمع وعدت إليه

التصنيفات: ثقافة وفن

26 شخصية ترسم ملامحها «هلا أحمد علي» في «إيميسا» أولى تجاربها الروائية، محاولةً أن تُرمِّم بأسلوب الحياكة أسباب وجودهم، وتفاصيل معيشهم المشترك، فجميعهم على صلة ببعض بطريقة ما، وأكثر ما يجمعهم هو ملمس الحرب على وجوههم، الذي أبدعت «هلا» في تصويره، تاركةً الصراعات الداخلية لتعيش أمجادها الخاصة وحروبها الاستثنائية،إذ إن أسئلة المعنى ترتبك أمام معارك طاحنة يُرسيها الشعور بالذنب أحياناً، وتيه الوجدان، أو زاوية الرؤية في مرّات أخرى، في جدلية بين الفلسفة الشخصية وحياة الشخصيات الروائية، هذا وغيره استطلعناه من خلال هذا الحوار مع «هلا» خريجة قسم الفلسفة في جامعة دمشق والحائزة درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة إيرلانغن نيورنبرغ الألمانية:

• كيف انتقلت من الفلسفة بوصفها «محبة الحكمة» إلى محبة الأدب؟
•• لا شك في أن الفلسفة باعتبارها أم العلوم تتيح لقارئها بأن يمتلك نوعاً من الشمولية، لكن هذا لا يعني أن كل من درس الفلسفة يمتلك تلك الشمولية، إذ ينبغي أن نعيش الفلسفة، لا أن نحيا ازدواجية، فمن غير الجائز أن أقرأ الوجودية وأعيش بطريقة لا وجودية، أو مثلاً، أكتب مقالات عن الماركسية وأنا في حياتي ضد الفلسفة الماركسية، لا بد من أن نعيش الفلسفة، وبالنسبة لي، الفلسفة نهج حياة، وهي ليست شيئاً درسته لأنال فيه شهادة جامعية فقط، أما ما يتعلق بالأدب، فالفلسفة تجعلك تنظر إليه نظرة أوسع، إذ ترى المجتمع والنفس البشرية كيف يدخلون في تكوين المجتمع، المؤسسات، والقانون، وعلاقات كل ذلك مع بعضه، هنا الفلسفة سند قوي للأدب.
• اخترت مدينة «حمص» كنموذج عن سورية ككل، واخترت اسمها الجميل «إيميسا» عنواناً لروايتك الأولى، وما تحدثت به عن تأثير الفلسفة واضح من شخصياتك وبنائك لها، ومعرفتك بردود أفعالها ونفسيتها… لكن لماذا اخترت بناء روايتك على الطريقة الكلاسيكية التقليدية، في حين إننا في زمن يحتل فيه البناء الروائي القيمة العظمى حتى إنه يتجاوز الأفكار المتضمنة في الرواية؟
•• سأتحفظ قليلاً على كلمة «كلاسيكي»، لأنه إن كان المقصود بها «الحكائية» فروايتي بعيدة عنها، وإن كان المقصود أن البطل هو مدينة، فالموضوع عندي مختلف، وفي حال كان المقصود أن البطل أشخاص، فليس كذلك، ولتوضيح ما أعنيه: أنا بدأت بتقنية الخطف خلفاً، من مشهد في عام 2018 لأم ابنها مخطوف، مع صعوبة ذلك ولاسيما أن الموت حاسم بينما الاختطاف فيه الاحتمالات مفتوحة على الممكن، وهذا مرهق للنفس البشرية، المخطوف لا تعرف متى يرجع، واخترت له اسم «سلام» قاصدةً لأن هذا السلام لا نعرف إن كان سيتحقق أم لا، لكننا غير فاقدي الأمل بعودته.
في الأسلوب الكلاسيكي يكون ثمة بطل رئيس وشخصيات أساسية وشخصيات ثانوية، بينما البطل عندي هو الحرب، وليس مدينة، وأنا اخترت إيميسا لأَعْبُرَ منها للمحافظات السورية كلها، وبعد العبور على الحرب السورية، أسعى لأن أَعْبُرَ لكل زمن فيه حرب، ولكل حرب في أي مكان، لأن مفرزات الحرب واحدة: هناك الأم المخطوف ابنها، المخطوفة هي ذاتها ونظرة المجتمع لها، هناك الأرملة، واليتيم، والمرأة التي تضطر لتخلق من نفسها قوة لتنزل إلى سوق العمل وتبحث عن الرغيف وتطعم أولادها ما يسبب تناقضات كثيرة، الحرب هي عدسة مجهر تكبر كل شيء، وتسلط الضوء على الأشياء أكثر من قبل.
• ضمن الحرب دائماً ثمة طرفان، لكنك تعمَّدت إخفاء طرف الإرهاب، ما القصد من ذلك؟ ولاسيماأن أي صراع لتبرزي قوته عليك أن تُدلِّلي على قوة الخصم، الذي كان في «إيميسا» مختفياً بشكل شبه كامل.
•• سأخبرك السبب، روايتي ليست تحليلاً ، وأنا كمختصة بالعلوم السياسية، أعد لدراسة أكاديمية قيد الطباعة سأتكلم فيها عن الحرب والسياسة.
• الجانب المجتمعي ضمن الرواية والتآلفات المحققة ضمنها، كانت نقطة مضيئة في الرواية، برغم أننا قد لا نجد مثل تلك النماذج الناصعة في الواقع، كما في علاقة أم هشام مع سلاف، في حين ثمة الكثير مما يشبه علاقة أم ماهر مع سلاف وحقدها المُبْهَم بدايةً من أُمِّها «المخطوفة».
•• عندما ننظر إلى القضية كأطراف، ونتساءل من المذنب؟ وعلى من يقع الحق؟ هذا تركته مفتوحاً في الرواية، لندع لخيال القارئ أن يفتح الأبواب على أوسعها، لاحظ أنني ركزت على ما ينضوي تحت مقولة «فوق الموت عصة القبر»، فما يزيد الطين بلة هو موقع المجتمع من أفراده المظلومين، لذلك علينا أن نكون دقيقين جداً في تعريف من هو «عدو المجتمع»، ومن هنا تنبغي الإجابة على سؤال: «لماذا كلما أوشكت الحرب على الانتهاء تبدأ من جديد؟»، هذا السؤال مهم جداً، لذلك ضمن الرواية تحدثت كثيراً عن دور الأنثى ودور الأم والوالدة، فأم هشام الخياطة التي احتضنت سلاف، لم تعش الأمومة الفيزيولوجية، لكنها أمّ لأنها ربت سلاف من دون أن تشعر، وربما أكثر من أم جميل التي هي والدة سلاف بيولوجياً.
• الحب تم تهشيمه ضمن روايتك، مثلاً شخصية ماهر وحبه لسلاف التي تحبه، لكن عقدة ذنبه تجاه أحمد دفعته للقبول بالزواج من زوجة صديقه لرعاية ابنه، على الرغم من إمكانية عودته لسلاف في النهاية بعد استشهاد زوجة أحمد، لكن حتى هذا كنت رافضة له، وجعلت الاحتفال بالأب المُقْعَد وكيف حمله أحمد على كتفيه وخرج به إلى النور، ما السبب؟
•• الأب هنا يرمز للوطن المنهك من الحرب، فأبو ماهر مصاب، والذي يحمل الوطن أبناؤه. الحقيقة أنا لم أجزم بأن سلاف لم تعد إلى ماهر، فهي نَظَرَتْ إليه في المشهد الأخير، وتركتُ للقارئ أن يتخيل. هنا تتدخل الفلسفة لأنها دائماً تعطينا أسئلة مفتوحة، وليس فيها جواب واحد، من مثل هل ثمة نهاية للحياة أم لا؟ إنه سؤال كبير، تطرحه الفلسفة وتترك الإجابات العديدة عليه، هل هناك سعادة؟ هل هناك حب؟ هل هناك خير؟ كلها أسئلة فلسفية بإجابات مفتوحة.
الرواية على حزنها الذي يستشفه القراء، هي جزء لا يتجزأ من حزننا في الواقع، كم قصة حب انتهت بسعادة، وكم قصة حب تكللت بالارتباط، الحب مرتبط بالهجر والفقدان، وفي ظل الحروب تتكرس وتتعزز هذه العذابات والوجوه المتألمة.
وماهر لم يستطع أن يخرج من جَلد الذات وعقدة الذنب تجاه صديقه أحمد الذي استشهد عندما ناوب بدلاً عنه ، وشعوره بالمسؤولية أضاف له موقف والدته من القضية ككل، وهنا أحببت إدخال المرأة التي تكون عدواً للمرأة ذاتها، في إضاءة على قضية المرأة والرجل والمجتمع ومن المذنب؟
• نماذج اجتماعية متعددة في الرواية: المتعلم، المدفوع للتعليم، وهناك من اختار مهنة الخياطة، وأنا شعرت بأن أسلوبك السردي قريب من الحياكة نوعاً ما، هذه القصص كانت باهرة، وفي رأيي أجمل مقطع هو رسالة أم هشام، لدرجة أحسست أنها تتضمن فلسفتك في الحياة.
•• الكاتب يفضح نفسه من دون أن يشعر، وهو إله وشيطان في الوقت ذاته، يخلق شخصياته ويعذبها ويؤلمها، الكاتب سادي أحياناً، ويخلق شخصية خَيِّرة ثم يميتها، يخلق ويعدم ويرسم مصائر، ويلون حياة ويصدم،… وفجأة ينشل البطل من جو جميل إلى مناخ أليم، أو محو الأمل في لحظة عذابات…
أما بالنسبة للحياكة، فارتبطت دائماً بمفهوم الصبر، والحرب بحاجة دائماً للصبر، والأمل بحاجة للحياكة، لكن الأمل يحاك بالعمل، وليس بالكسل، لذلك مع حبي وتقديري وإعجابي بمقولة «نحن محكومون بالأمل»، أؤكد أننا «محكومون بالعمل» الذي نؤمن به ونصبر عليه صبر الفلاح على نمو البذار، وصبر الصياد على اصطياد سمكته، ونصطاد بصنارة الأمل كل ما نريد تحقيقه في المستقبل، ولذلك عندما يُحمَل أبو ماهر في المشهد الأخير، هو تأكيد على أن أبناء الوطن يحملونه بالعمل، ويحققون أملهم، وتشرق شمس «إيميسا» التي هي إلهة الشمس، لذلك الحب والحرب والأمل والحياكة وفلسفتنا بالحياة، تنعكس بالأدب، الذي هو الجمال، ويهرب فينا من عوالم الواقع إلى جماليات الأدب، الحياكة رمز لصبرنا القليل في الحياة، أحياناً الإنسان يصبر ثلاثين عاماً ليحقق هدفاً واحداً، والأدب يفرحنا لأنه من خلال 200 صفحة يوصلنا إلى الأمل، فتشرق نفسنا من جديد.
• لماذا الختام في مقبرة؟
•• لأن لأمواتنا علينا حق، ولشهدائنا علينا حق، أنا أحب مفهوم الوفاء للذين رحلوا، وأنا مع مقولة «الراحل يرحل عندما ننساه فقط»، أما عندما نتذكره فلن يرحل، نخلد الأشخاص بالوفاء لهم، أحببت بمناسبة العيد، كحدث روائي، زيارة تلك الأرواح.
• كيف ترين رواية الحرب، وهناك من يقول مادامت الحرب على نار حامية، فهذا يصعِّب التعبير عنها؟
•• دائماً أقول إن الحرب مدماك وجودنا المؤسس على الصراع، والكائن الإنساني وريث الصراع، فنحن ورثاء قضية قابيل وهابيل وقتل المسيح وغيرهما، وورثاء صخرة سيزيف الذي كان في حرب مع الوجود ومع ذاته ومع أعبائه،… في رأيي لا أدب بلا حرب، فلا نستطيع أن نسميه «أدب الحرب» لأن الأدب هو دائماً أدب حرب وصراع، ودوستويفسكي قالها مرة: «عندما تكتب عن ذاتك فإنك تكتب عن الحرب»، حربك مع نفسك، وصراعاتنا الداخلية التي نعيشها. كل شخصية عاشت صراعاً بين العدم والوجود، والنعم واللا، بين الصح والخطأ، بين الخير والشر، بين الحب واللا حياة، وبين الموت والنجاة، فلا نستطيع في الأدب أن نكون بعيدين عن الحرب، لكن الحرب تشكل الشعلة التي تدفعنا لأن نكتب أكثر ونحلل الشخصيات أكثر وندخل إلى أعماق النفس البشرية أكثر.
bsnaij@yahoo.com

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed