آخر تحديث: 2020-05-31 12:14:16
شريط الأخبار

كتاباته مهّدت لولادة نظرية أصيلة في النقد ناهد هاشم: أي محاولة لقراءة إدوارد سعيد كنص تستدعي جهداً كبيراً

التصنيفات: ثقافة وفن

إرث غني ومتنوع أودعه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد «1935- 2003»، إرث حرّض الباحثين على الخوض في تفاصيله ولاسيما تلك المختصة بعلاقة الشرق بالغرب، لكن يبقى النقد الأدبي من وجهة نظره، تعريفه ومصطلحاته وأساليبه وربما الأخطاء المرتكبة فيه، الجانب الأكثر إشكالية والأكثر طرحاً في هذه الدراسات، فهل أسّس سعيد لمنظور جديد في النقد حتى صار بالإمكان البحث بمفهوم النقد في فكره، وماهي ملامح هذا المنظور النقدي وما المفاهيم التي يبنى عليها، وما الذي يميزه عن غيره من النقد بمدارسه المختلفة؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحتها الباحثة والمترجمة- ناهد هاشم خلال المحاضرة التي ألقتها في مكتبة الأسد الوطنية تحت عنوان «النقد في فكر إدوارد سعيد»، وأجابت هاشم عن هذه التساؤلات من خلال مستويين، الأول نظري مركزة على كتابيه «العالم والنص والناقد» و«الثقافة والإمبريالية»، والثاني تحليلي بالاستناد إلى كتابه «الاستشراق».
ابتدأت هاشم حديثها بالقول: إنّ محاولة الكتابة عن مفكر كبير مثل إدوارد سعيد تبدو شبيهة بمحاولة الكتابة عن كاتب مثل شكسبير، من حيث يشعر الدارس بأنه لم يعد هناك شيء لم يدرس، وأن أي محاولة لقراءة سعيد كنص تستدعي جهداً كبيراً، لكن يمكن القول إن سعيداً نفسه علّمنا أن النظرية كما الأشخاص تهاجر وأنّ القراءات التي ترتبط بمرحلة معينة سيعاد إنتاجها في مراحل أخرى وأنّ النص مفتوح لتأويلات متعددة والقارئ جزء من تلك الشروط والتأويلات، حيث يرى سعيد في كتابه «العالم والنص والناقد» أنّ ممارسة النقد في هذه الأيام تتخذ أربعة أشكال رئيسة هي: النقد العملي في مراجعة الكتب والصحافة الأدبية والتاريخ الأدبي الأكاديمي الذي ينحدر من اختصاصات كانت قائمة في القرن التاسع عشر والتقويم والتأويل من زاوية أدبية والنظرية الأدبية التي هي بمنزلة مضمار جديد نسبياً، أمّا الشكل الذي يعتمده سعيد فهو حسب مقالاته التي جمعها في هذا الكتاب تستمد وجودها من الأشكال الأربعة كلّها، ذاك أن الوضع السائد في النقد جعل كل هذه الاشكال تبدو كأنها تخصص مستقلٌ، لقد تناغمت هذه الأشكال في ممارسة واحدة عند سعيد أطلق عليها «النقد العلماني» أو «الدنيوي» فنراه يقول إن النصوص دنيوية يعني أنها جزء من العالم الاجتماعي والحياة البشرية واللحظات التاريخية التي تقع فيها، وهذا النقد حمل اسم النقد الثقافي لدى بعض النقاد حيث يعدّ إدوارد سعيد من أبرز منظري هذا النقد على الرغم من أنه لم يصطلح عليه هذا الاسم، وفي هذا الكتاب أيضاً يقدّم سعيد فكرة النظرية المهاجرة في مسعى منه لتوضيح التغيرات التي تخضع لها النظرية مع الوقت والاستخدام، إذ أفرد لها فصلاً من الكتاب، يقول في هذا الصدد: الأفكار والنظريات تهاجر من شخص إلى آخر ومن عصر إلى آخر، ويتحدث عن الأطوار التي تمر فيها أي نظرية، فهناك موضعها الأصلي والمسافة التي تعترض سبيل الفكرة وهناك مجموعة ظروف أو ضروب المقاومة أما الطور الأخير فهو تعرض الفكرة لشيء من التحوير من خلال الموقع الذي تحتله في زمان ومكان محددين.
وتطرقت هاشم إلى مفهوم القراءة الطباقية الذي قدمه سعيد، مستشهدة بما كتبه في «الثقافة والإمبريالية» الصادر عام 1993، إذ يقول: حين نعود بالنظر إلى سجل المحفوظات الإمبريالي ونأخذ بقراءته من جديد لا واحدياً بل طباقي بوعي للتاريخ الحواضري الذي يتم سرده ولتلك التواريخ الأخرى التي يعمل ضدها أو معها الإنشاء المسيطر في النقطة الطباقية للموسيقا العربية، تتبارى وتتصادم موضوعات متنوعة من دون أن يكون لأي منها دور امتيازي إلا بصورة مشروطة مؤقتة.
ويعدّ كتاب «الاستشراق» الذي ألفه سعيد والصادر عام 1978م أحد مؤلفاته الرئيسة وثورة في الدراسات الأكاديمية، فقد حرّض الكتاب ردوداً ودراسات وفتح سيلاً من الانتقادات التي لم تحمله على تعديل أو تغيير في الكتاب على الرغم من أنه كتب تذييلاً لطبعة عام 1995 وكتب مقدمة لطبعة 2003 لكنهما لم يأتيا تصحيحاً أو تنقحياً للأسئلة الإشكالية التي أثارها الكتاب، متسائلة: كيف استطاع الكتاب أن يلهم النقاد ويثير كماً هائلاً من الكتابات بل ويمهد لولادة نظرية أصيلة في النقد هي مدرسة مابعد الاستعمار؟، أفكار سعيد تظهر في المقدمة حيث نقطة انطلاقه هي أنّ «الشرق ليس حقيقة خاملة من الطبيعة لكنه كالغرب من صنع الإنسان»، ويبدأ الفصل الأول بمناقشة الخطاب الاستشراقي أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين ويتحدث عن «شرقنة الشرق»، بينما يتحدث في الفصل الثاني عمّا يسميه الاستشراق الظاهر والاستشراق الكامن، أما في الفصل الثالث فيتحدث عن مرحلة التوسع الاستعماري في الشرق، لقد أعاد سعيد قراءة النصوص موضوع البحث في كتابه بأن قرأها كنصوص دنيوية لذلك خرج بتأويلات جديدة فيما يخص الاستشراق ككل ومفهوم الاستشراق وارتباطه بالمؤسسة الاستعمارية، في حين لم يكن هدف الاستشراق القول إن النصوص الاستشراقية كانت متواطنة في صنعة الشرق، بل كان يهدف إلى الإفصاح عمّا حملته من مدولات لم يكن للنصوص البحتة أن تفصح عنها وربما الأكثر أهمية هو أن الاستشراق انطلق من دراسة أكاديمية هدمت الحدود الفاصلة بسن السياسة والتاريخ والأدب وشكلت ممارسة من النقد الثقافي للنصوص وهجرة جديدة لدراسات أخرى.
ونوهّت هاشم بأنّ أهمية هذا الكتاب متأتية من كونه الأساس الذي مهّد الطريق لولادة نظرية مابعد الاستعمارية في النقد الأدبي والتي تنظّر في قضايا الاستعمار والآخر والتّمثيل والمقاومة مستمدة مقوماتها من نقد الدنيوي لحقل الاستشراق، وبذلك يكون سعيد حرّض على ولادة نظرية نقدية جديدة تعيد قراءة العلاقة بين الشرق والغرب وترسخ فكرة الحاجة لقراءة النص وفق عوامل إنتاجه الداخلية والخارجية، ومن المسائل التي رسّخها الكتاب أيضاً قدرة النقد على الخروج من المنظومة التخصصية الأكاديمية وتحريض الوعي العام لفهم أوسع للظاهرة موضع الدراسة.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed