ثمة من يُشبّه ترجمة الأدب والشعر تحديداً؛ بالقبلةِ من وراء الزجاج، غير أنه وبرغم «برودة» هذه القبلة؛ فقد استطاعت أن تجعل الكثير من قصائد شعراء العالم شعراً عالمياً تلتذُّ به ألسن كثيرة ومختلفة في هذا الكون، وبفضل الترجمة أصبحت لمفردات صفة العالمية، إذ تعني الدلالة ذاتها في مختلف اللغات سواء كانت مفردات تقنية، أو حتى مفردات أدبية ذات مجازات لا حدود للتخييل والتأويل من خلالها، وبفضل الترجمة، فإن لغات العالم تتقارب يوماً عن يوم في محاولة لتخليص هذا الكون من همجية طالما كانت اللغة وعدم فهم الآخر من أسباب الإيغال في شراستها.
غير أن محنة الترجمة، ليس في سورية فحسب، بل في مختلف العالم العربي، ولاسيما لجهة نقل الآداب والعلوم إلى اللغة العربية؛ تكمن في اتجاهين: قلة من يترجمون وضعف الترجمة، وهو أمرٌ مخيف، إذ إن ما ترجم إلى العربية منذ عصر المأمون (العباسي) إلى العصر الحالي لا يتجاوز الـ (10000) كتاب، وهو يساوي ما تترجمه إسبانيا في سنة واحدة، وأما الاتجاه الآخر في هذه المحنة فيكمن في المترجم نفسه، وهنا نذكر أنه في سورية نقول من حظ اللغة الإسبانية إنه توافر لها ثلاثة مبدعين مترجمين على الأقل، حببوا القراء بالنتاج الإبداعي في هذه اللغة من إسبانيا إلى مختلف دول أمريكا اللاتينية، وهم الدكتور عبدو زغبور، صالح علماني، وجعفر العلوني، وإذا استثنينا اللغتين الإنكليزية والروسية، فسنحصل على الكثير من المحن في بقية اللغات..
يذكر إديث غروسمان أن أكثر المصطلحات رواجاً والتي يمكن من خلالها وصف عمل المترجمين؛ هو أنهم يكتبون أو بالأحرى يعيدون كتابة العمل الأدبي باللغة الثانية، أي اللغة المترجَم إليها، ويأملون أن يقوم قرّاء الترجمة باستقبال النص، عاطفياً وفنيّاً، بطريقة متوازنة ومنسجمة مع الخبرة الجمالية كقرّاء اللغة الأولى وأن العامل الفريد في تجربة المترجمين هو أنهم ليسوا مستمعين للنص أو منصتين لصوت المؤلف في عقولنا فقط، بل هم متحدثون بلغة النص الآخر – أي لغة العمل المترجَم- وهو ما يؤكده المترجم الألماني رالف مانهايم: إنّ المترجمين كالممثلين الذين يتحدثون كما كان الكاتب سيفعل لو أنه يستطيع التحدث باللغة الهدف.

طباعة

عدد القراءات: 446