لا أعرف لمن يُنسب هذا القول: «إن كل المهن تأخذ من ممتهنيها وقتاً من يومهم، إلا الكتابة فهي لا تقبل بأقل من الحياة مقابلاً لها»، إلى ذلك وجب أن نشكر الكتابة، التي تجعلنا عندما يتاح لنا الوقت، أن نفكر ماذا سنكتب، وحتى عندما لا يتاح، تمارس غيرتها كأي أنثى وتمد يديها، كما لم تفعل فيروز التي اكتفت بـ«ياريت»، وتسرقنا، فعذر فيروز لا يقنع الكتابة، الكتابة تقول «أنت لست لهم»، وهي أكثر ذكاء من أن تمارس غيرتها على سبيل التضييق بـ«أنك لي»، بل تلفت انتباهنا إلى الأشياء الصغيرة والكبيرة، لنترك المجموع ونلتحق بها، كأنها تمارس إغواء لنرتكبها هي في مكان أراد الرحابنة أن يخلقوه ولم يجدوا له اسماً غير «بلاد ما تقشع حدا فيها»، فتصبح الورقة مسرحاً يرقص عليه قلمها، أو حتى إنها تزيح أنوثة الورقة لتلعب إصبعنا لعبة «دق الحجر» فتقفز على مربعات الأحرف!.
شكراً يا كتابة ليس لأنك مددت يدك وسرقتنا ممن يعدّوننا لهم، بل حتى من الذين نعدّ أنفسنا لهم!.
شكراً لأننا لسنا فرديين بالمطلق، بل نحن أزواج لكل ما هو حسي وعقلي، نتطارح معه الحب لننجب منه، فنكون خلّاقين ويباركنا الله «أحسن الخالقين».
شكراً لأنك لم تجعلي منا أحزاباً للشعر أو الرواية أو النثر والدراما، بل لنتعلم أن نفكر على غير ما سبق، فلا يسبقنا من فكّر ولا من تعلّم.
شكراً لأنك جعلتنا نقبل العالم كما هو، من دون تجميل، بل نحبه أولاً ثم نعرض عليه الأجمل ونعلم أنه أصم وأبكم، إلا أننا لا نحاكمه بل نكتبه كما هو مرة، ومرة كما نتمنى! وشكراً لأنك جعلتنا نحب مبغضينا ونبارك لاعنينا!.
شكراً لأنك لم تقبلي بأقل من الحياة، لأن العيش لم يعد ممكناً لولا أن فتحت لنا بوابات الكتب إلى عوالم لم نكن بمدركيها كأنها «حصون خيبر» المقفلة، وأكفنا أضعف من أن تزيح ستاراً.
شكراً لأنك بادلتِ معيشتنا بالحياة التي نستطيع فيها على الأقل أن نكون نحن!.

طباعة

عدد القراءات: 701