آخر تحديث: 2019-11-13 12:41:08
شريط الأخبار

«إسرائيل» ترسم خريطة المقاومة بالطائرات المفخخة

التصنيفات: رؤى عربية

مازال معظم مشهدنا العربي عاجزاً عن بلوغ الرشد في تقييم المعنى الصحيح للمقاومة، مازال يُنظر إليها خارج المقولة الصحيحة ألا وهي أنّ المقاومة كلّ لا يتجزّأ. وهذه ليست إنشاء شعريّاً بل هي قانون طبيعيّ يؤثّر تأثيراً كبيراً في مسارات المقاومة ومخرجات الفعل المقاوم، لا شيء هنا خارج منطق الأشياء، لكن بنية العقل العربي في معظمه لم تكتمل بعد، على الأقل هناك مساحات فيها مازالت تؤثر الفوضى على النّظام، وتقيم وعيها على المفارقة.
لقد أظهرت السنوات العجاف الماضية بأنّنا لسنا سواء في تقدير الموقف، هناك اختلال في الوعي واختلال في تقدير المصلحة وأشياء أخرى لسنا في وارد تحليلها. فالانتهازية مظهر من مظاهر هذا الوعي المختلّ بحقيقة الصّراع.
خلال هذه الفترة كان هناك نمطان من النضال كل منهما يصدر عن وعيّ خاص واستشراف مختلف، يلتقيان في مساحات معينة لكنهما يفترقان وأحياناً يشكلان عائقاً لبعضهما: هناك نمط التجزيء في المقاومة والنضال.. وهناك نمط توحيد وتكامل النضال والمقاومة.
كان المعسكر المنسجم في المقاومة يرسم مساراً متكاملاً لا تهافت فيه، وأنتج على امتداد طبوغرافيا المقاومة الكثير من الإنجازت التي استقبلها المعسكر التجزيئي- أعني تجزيء الفعل المقاوم- بقليل من الفعالية وبكثير من الصمت، وهو إذ استقبلها بالصمت، فإنه ينحو منحى المرحلية في تعويض الموقف التاريخي بالمجاملة الموسمية لأنّ برنامجه يخلو من أي أولوية من أولويات المقاومة في أبعادها الاستراتيجية، وهو أيضاً كذلك لأنّه على وجه الحقيقة لا يحمل مشروعاً مقاوماً ولكنه يختبئ خلف القضية الفلسطينية التي توحي بالمشترك الكفاحي، بينما تتيح القضية الفلسطينية من خلال تعقيدتها فرصة لهذا النوع من «الكفاح بالمراسلة» الذي لا يفرض على الجبهة الأخرى غُرم التحدّي وتكاليف الكفاح بل يختزل الكفاح هنا في لعبة دكاكين خاوية الوفاض يحصد فيها المناضل المزيّف امتيازات كثيرة وتكريساً للظاهرة الصوتية.
ومن هذا المنطلق لا طريق لفضح هذا النهج إلاّ بتغيير اللغة والمعجم اللفظي حيث اللغة هنا تصبح مأوى الوجود الكفاحي أيضاً، وأعني بذلك مفهوم: «فلسطين هي البوصلة».. فلسطين ليست بوصلة بل هدفاً أقصى فرضته معادلة الصراع، ولكنها لا تصلح أن تكون معياراً وحدها بل هي جزء من معيار تركيبي تشارطي يحدّد المسار الصحيح للمقاومة، وهذا يطرح سؤالين: الأول: لماذا لا تصلح معياراً وحدها؟.. والثاني: ما هو معيار الشرط والتركيب المذكور؟
في الجواب عن السؤال الأول:
تأكد من خلال العمل الميداني أنّ التضامن مع فلسطين تحول عند شريحة كبيرة في المشهد العربي إلى وصل تجاري ومدارات للقواعد الشعبية كحد أدنى من الشرعية السياسية، ولكنه لم يحصّن الموقف من الانخراط في أفعال مناهضة للمقاومة في تجلّياتها الأخرى، هذه الشريحة غير آبهة بما يخلفه هذا الموقف من اختلال وتأثير حتى في القضية الفلسطينية.. ومظاهر ذلك تكمن ميدانياً اليوم في الآتي:
** تهشّم المعيار التقليدي إياه- أي اللامشروط- ابتداء من الحرب على سورية التي كانت في البدء الثمن الذي ستدفعه سورية من أجل القضية الفلسطينية ودعم المقاومة، ومع أنّ الأمر كان واضحاً منذ البداية إلاّ أنّ جبهة النضال المزيّف ترنّحت حيال هذا الموضوع وفي أقصى الحالات لجأت إلى تبادل الأدوار حسب القرب والبعد من مراكز المقاومة.. ففي بلدان كثيرة اصطفّ «قومجيون» من أمثال عزمي بشارة مع فلول «الإخوان» المناهضين لسورية، ومقابل ذلك باعوا لحلفائهم المحليين الصمت حيال هذه القضية.. بينما تكشف كواليسهم بأنهم متفقون على تبادل الأدوار حيث ينطلق هؤلاء «القومجيون» من تفاهمات مع حلفائهم «الإخوان» بأن يُقدّروا موقفهم الذي يفرض عليهم مجاملات موسمية، بينما في الكواليس هم متفقون على لزوم «إسقاط» سورية، وهذا ما اكتشفناه وسمعناه في جداليات بدايات الحرب على سورية، وكانوا معاً ينتظرون «لحظة السقوط» ليكشفوا عن برنامجهم.
** حصل هذا أيضا وبشكل واضح إزاء المقاومة الوطنية اللبنانية، لكن- ولأننا هنا في مشتل المجاملات الذي يفرضه وضع لبنان بوصفه بؤرة جذب لحركات التحرر الوطني.. وبالتوازي مركزاً لتجميع كلّ من هبّ ودبّ على طريق العمل السياسي من كل جيوب المنطقة – تُفرض وضعية خاصة من بروتوكول المجاملة حدّ النفاق الذي تتحمله نقائض «الآنارشيا» اللبنانية وجهل هذه الأخيرة بالأعماق السحيقة للنذالة المتناضلة الآتية من خلف السهوب والأماكن البعيدة.. ونظراً أيضا لغلبة الانفعالية والعاطفة، إذ لا يعقل أن يبوح المناضل المزيف بموقفه الحقيقي من مقاومة متينة.. ومع أن المناضل المزيف يشعر بتفاهة وجوده أمام وهج الشهادة التي يقدمها شباب كالورود منحهم القدر جمال المحيّا وجمال الروح الفدائية، إلاّ أنّ المناضل المزيّف القبيح سيدخر للجيوب البعيدة أقصى الكراهية والحرب الخفية ضدّ امتدادات هذا الوعي المقاوم باعتباره يشكل عنصر إحراج، بينما عملية الحرب الخفية ضد هذا الامتداد تتخذ عناوين مخاتلة وحرب تحريض قذرة.
** الحقيقة نفسها نكتشفها حيال العراق، حيث مازال الحقد يصل حدّ الصمت حيال إنجازات الحشد الشعبي الذي قدّم أكبر التضحيات وها هو يُقصف إسرائيلياً، ولكن دكاكين النضال المزيف تجد نفسها غير معنية بهذا الفصل من الصراع، وكعادتها تلوذ بالصمت، بل في كواليسها خارج مشاتل المجاملة كانت تراهن على «داعش» لقطع دابر إرادة الشعب العراقي.
** والموقف نفسه حيال اليمن، فلقد وقفوا مواقف سلبية جداً حيال اليمن، وطبعاً سنجد ضمن تبادل الأدوار- حسب القرب من مراكز ومشاتل المجاملة- أصواتاً يتيمة ومجاملاتية لتجيير الموقف لكن نتحدث عن مأسسة الموقف وعن دور الجيوب البعيدة التي تتحالف مع أصدقاء قتل اليمنيين. وترى هذه الجبهة أنها غير معنية بهذه الحرب بل هي تعد ما يحدث في اليمن أو العراق أو أماكن أخرى أمراً ملتبساً، وكأنها توجد في الموقع المناسب لتوزيع قيم الفعل الثوري على الساحات.
في الجواب عن السؤال الثاني: إنّ الجواب على إشكالية التركيب والمعيار والشرط يوضح أنّ سورية في السنوات الأخيرة هي المعيار الصحيح لتصحيح الموقف التضامني مع فلسطين، وكذلك بقية الساحات التي تفجر فيها الموقف المقاوم، لقد تجاهل المناضل المزيف كل هذا الحدث الرهيب في الساحات المقاومة، فلئن انحصرت قصته في مجرد إخراج مسيرات ملتبسة في بنيتها الفوقية والتحتية فإنّ أكبر المسيرات التضامنية مع فلسطين خرجت من اليمن المقاوم ومن العراق ومن سورية ومن إيران، وكل هذا لم يحرك البنية المتعفّنة بالازدواجية لجبهة النضال المزيف، هناك إذاً منطق «المعايرة» المتبادلة: سورية معيار للموقف من فلسطين، وكذا العراق واليمن وإيران وسائر الساحات التي تعدّ أبعاداً متعددة في مسار مقاومة موحدة في عملها وهدفها.
لقد قامت «إسرائيل» برسم خريطة جبهة المقاومة الصلبة واستهدفت ساحاتها وأشارت إلى رموزها، اعتدت على اليمن وعلى العراق.. واعتدت على سورية.. «إسرائيل» هنا أوضح من جبهة النضال المزيف لأنها رسمت خريطة المقاومة من خلال استهدافاتها وأظهرت أنّ المقاومة التي تهدد «إسرائيل» توجد في سورية والعراق واليمن ولبنان وحتى تلك التي داخل فلسطين من حيث هي امتداد لهذا المحور. وسيضطر المناضل المزيف أن يخفي هذه الحقيقة ويحاول أن يخلع جلده ويغير ألفاظه في الوقت بدل الضائع لانتصارات صنعها الأبطال والفرسان، سيحاولون ركوب كل الأمواج ولكن عبثاً، فلن يجدوا من يقتنع بترهاتهم سوى نظائر لهم هنا وهناك.. الشرط المقوم هنا لمعيارية القضية الفلسطينية هو مدى فعاليتها في حماية أذرعها الطبيعية ومقدماتها الواجبة وأعماقها الاستراتيجية. هي بوصلة بشرط تفاعلها مع مصادر قوتها، فمن يتغنى بفلسطين ويتجاهل الساحات المقاومة الأخرى كمن يتغنى بالرأس ويقطع الأطراف، شرط فلسطين يتجلى في سورية ولبنان والعراق واليمن وإيران وفي كل ساحة تبلور فيها الفعل المقاوم، هناك إذاً قيمة تشارطية للمعيار وليس قضية مطلقة تتسلل من داخلها زواحف الانتهازية لنبدأ في خدعة توزيع قيم النّضال لمن لم يحدّث نفسه حتى في الحلم أن ينخرط في الكفاح ويكون له تاريخ في المبادرة الفدائية، بينما كان ذلك متاحاً لمن كان بالفعل كذلك.. كفى استهتاراً بأرواح الشهداء والمعاني الكبرى والثقيلة لجوهر الكفاح، وتحسسوا حدود خريطة المقاومة في المسافات التي تقطعها الطائرات الإسرائيلية المفخخة وليس في مشاتل الزّعيق برسم النضال المزيف.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed