آخر تحديث: 2019-11-20 15:29:00
شريط الأخبار

ديمقراطيتنا.. وديمقراطيتهم

التصنيفات: رؤى عربية

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية والعالم الغربي «الديمقراطي» يجلد بقية العالم بـ«ديمقراطيته»، فيشنّ الحروب ويحيك المؤامرات ويفرض الحصار، ويشرّد الشعوب وينهب مقدراتها باسم تلك «الديمقراطية». ولأنهم- كما يصور إعلامهم- المنتصرون، فقد اقتنع كثير منّا، أفراداً ودولاً، بأننا نعاني ذلك الداء العضال المسمى «غياب الديمقراطية» وبتنا مستعدين لبذل الغالي والنفيس لنفي هذه التهمة عنّا، ولإقناع الغرب بأننا لا نقل عنه «ديمقراطيةً».
وصفتهم «الديمقراطية» ذات شكل محدد وواضح، الانتخابات وصناديق الاقتراع، النتائج ليست مهمة، حتى لو كان الخيار بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، أو بين ماكرون ولوبان، المهم أن تخرج الجماهير إلى مراكز الاقتراع، وأن تدلي بصوتها في الصناديق أمام عدسات الكاميرات، وأن تخرج علينا مراكز استطلاع الرأي بتوقعاتها، وقد تحدث المفاجآت، لكننا في النهاية لن نحصل إلا على واحد من اثنين، دونالد ترامب أو هيلاري كلينتون.
في عام 2007 ثار جدل داخل إحدى دول أوروبا الشرقية بشأن نشر منظومة صواريخ أمريكية في البلاد، لجأت الحكومة إلى الاستفتاء فجاءت النتيجة لتظهر أن الأغلبية ترفض خطة الحكومة، لكن الحكومة المنتخبة «ديمقراطياً» استمرت في الخطة تحت شعار المصلحة العامة.
في الولايات المتحدة «أستاذ الديمقراطيات العالمي!» اتخذ الكونغرس قراراً بمنع تزويد السعودية بالأسلحة بسبب المجازر التي ترتكبها في اليمن، لكن الرئيس يمتلك حق النقض «الفيتو» على هذا القرار «مراعاة للمصلحة العامة»، فاستمر تصدير الأسلحة، واستمرت المجازر، لكنها عبرت عبر جسر «ديمقراطيتهم» الذي يهتم بالشكل «الديمقراطي» من دون المضمون.
في المملكة المتحدة نتابع اليوم الجدل البرلماني بشأن الـ«بريكست» ومحاولة رئيس الوزراء بوريس جونسون إغلاق البرلمان مدة ثلاثة أيام، بعد أن نقضت المحكمة العليا قراراً سابقاً له بإغلاق البرلمان. كل هذا يدور ضمن لعبة «الديمقراطية»، فجونسون يحاول الدفع نحو انتخابات مبكرة قبل 19 تشرين الأول الجاري، الموعد الذي حدده البرلمان لتمديد المحادثات مع الاتحاد الأوروبي. جونسون يحاول التلاعب بالرأي العام البريطاني لكي يتجنب مظهر المهزوم، وهذا التلاعب جزء من «ديمقراطيتهم» ذاتها. لنا أن نتخيل ردة الفعل الغربية لو أن قرار إغلاق البرلمان اتخذه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو!
في السياق نفسه، نشر المحافظون منذ بدء أزمة «البريكست» خطاب كراهية نحو الآخر، بهدف كسب أصوات اليمين الأبيض. كانت النتيجة اغتيال النائبة جو كوكس، عضو مجلس العموم عن حزب العمال، على يد أحد المتطرفين الذي أطلق عليها النار وهو يصرخ «بريطانيا أولاً».. اعتقل الرجل وحوكم، لكن من حرّض وخلق الجو الملائم للجريمة لم تطله يد العدالة ألا وهو «الديمقراطية».
في بلدي الأردن الذي اختار مسرحية الديمقراطية الغربية؛ وفي الوقت نفسه الذي اغتيلت فيه جو كوكس، انطلقت حملة تحريض وتهديد ضد الكاتب والمفكر ناهض حتر، شاركت فيها أطراف من داخل مؤسسة الحكم وأخرى من خارجه. النتيجة كانت جريمة اغتيال مروعة على بوابة المحكمة. ألقي القبض على القاتل، حوكم، وأُعدم. لكن المحرضين الذين وصل بهم الأمر إلى الحديث عن اقتلاع قلب الشهيد، لم تمسهم يد العدالة «الديمقراطية» بل تقدم بعضهم للانتخابات على قوائم أحزاب مرخصة «ديمقراطياً»!
«ديمقراطيتهم» كما وصفها فيلسوف منهم- هو سلافوي جيجك- هي حرية الضحية في اختيار الطريق الذي تسلكه نحو المسلخ.. الأدهى أن الضحية أصبحت تمضي في طريقها محتفيةً بخيارها «الحر».
هذا عن ديمقراطيتهم، فماذا عن ديمقراطيتنا؟ بعبارة أخرى أي ديمقراطية نريد؟
بعيداً عن تباكي بعض السياسيين، والكثير من المثقفين، على «غياب شمس الديمقراطية الغربية» عن بلادنا، واستغلال هذه «المظلومية الديمقراطية» لتبرير خياناتهم وتآمرهم على أمتهم. فإننا جميعاً مطالبون بالتخلص من عقدة ثنائية «ديمقراطيتهم» أو «ديكتاتوريتنا» فهذا الأسلوب الذي تبنته الرأسمالية الغربية على مدى عقود لم يعد ينطلي على أحد، لذلك يجب علينا التوقف عن الاعتذار عن كوننا «نحن» بل والتأكيد على خيارنا بأننا لا نطمح أن نكون «هم».
الحقيقة الساطعة في وطننا، العربي أننا مستهدفون من عدونا الرأسمالي، بسبب طبيعته الرأسمالية القائمة على نهب ثروات الشعوب أولاً، ولخصوصية تتعلق بنا، تكمن في جغرافية وطننا التي تصل الشرق بالغرب، وثرواته وخاصة الطاقة، لذلك فالمهمة الأولى لديمقراطيتنا هي حماية الوطن والدفاع عنه. في هذا السياق لا يمكن لهذه الديمقراطية استيعاب من ينظّرون أو يعملون مع العدو أو بتعليمات منه، سواء العدو الغربي أو الصهيوني. هذا التعامل لا يمكن أن يصنف تحت بند حرية الرأي أو الشراكة في الوطن أو «لندع الصناديق تحكم بيننا».. هذا التعامل له وصف واحد، ووحيد… الخيانة.
بناء على الحقيقة الأولى، تنشأ حقيقة ثانية مفادها أننا مجتمعات تعاني أزمات سياسية واقتصادية مزمنة، بسبب مؤامرات العدو التي تدعم أنظمة مهمتها الحؤول دون كل إمكانات التنمية والسيادة، لذلك، فإن لديمقراطيتنا مهمة ثانية تتمثل في أولوية التحرر من التبعية الاقتصادية، وبناء مجتمع الإنتاج الذي يحقق التنمية المعتمدة على الذات.
لتحقيق هذا الهدف، لابدّ من العبور إلى مهمة ثالثة، وهي تحقيق السيادة بمعناها الحقيقي الذي يتضمن استقلال القرار الاقتصادي والسياسي، وهنا تتقدم حرية المجتمعات على حرية الأفراد، من دون أن يعني ذلك تكميم الأفواه أو تجريم النقد، بل على العكس تفعيل منظومة النقد البناء، والمشاركة على قاعدة الأهداف المشتركة، ليكون التباين والتنوع الذي يُغني التجربة، من دون أن يعمل على تقويضها.
أما المهمة الرابعة لديمقراطيتنا فهي تعزيز الهوية الوطنية العربية، بصفتها هوية جامعة لكل من يسكن الوطن العربي بغض النظر عن العرق والدين، فهي هوية وطن وليست هوية عرق، وهي تجمع كل أبناء الوطن على الأهداف الكبرى للأمة من وحدة، وحرية، وسيادة، ودور فاعل حضارياً من دون أن يعني ذلك إغفال الهويات الثقافية الفرعية، بل تعزيز هذه الهويات في سياق التنوع الذي يغني الفعل الحضاري، لا الاختلاف الذي يمزق الأوطان، وهنا تصبح كل دعوة للتقسيم والانفصال خيانة وطنية لا يمكن التسامح معها.
ديمقراطيتنا هي حريتنا كما نراها ونريدها، أما ديمقراطيتهم فهي عبوديتنا واستغلالنا.. لن نعتذر عن خوضنا النضال في سبيل أمتنا، ولا نشعر بالنقص تجاه جرائم ديمقراطيتهم منذ هتلر وحتى ترامب. لنا طريقنا الذي نصنعه اليوم بتضحيات أبنائنا وصمود شعبنا، في سورية، ولبنان، وفلسطين، واليمن، ومن صفحات نصرنا سنكتب مشروع ديمقراطيتنا ودساتيرنا، برغم أنف الأعداء والمتآمرين.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed