آخر تحديث: 2020-08-12 01:56:50
شريط الأخبار

عرض «هي وهنَّ» .. مفرد بصيغة الجمع

التصنيفات: ثقافة وفن

لم تكن الممثلة «مروة قرعوني» وحيدةً على خشبة القباني في عرض «هي وهنّ» الذي ألَّفه وأخرجه «مشهور مصطفى»، بل رافقتها حشودٌ من النساء المعنّفات والمظلومات بقوّة القانون والمحاكم الشرعية ونظرة المجتمع الدونية للمرأة… حيث تصح معها مقولة «مفرد بصيغة الجمع»، إذ إن المونودراما المتقنة التي تم تقديمها انتقلت من الخاص إلى العام، ومن الفرد إلى المجتمع، ومن حالة ظلم تعرضت لها امرأة بمنعها من حقها في حضانة ابنها بعد طلبها الطلاق، إلى مظالم كثيرة ضمن واقع لا ينظر إلى المرأة فيه كإنسانة بقدر تركيزه على أنها مجرد «ضلع قاصر» في الإمكان تدجينه، وسلبه إرادته وجميع حقوقه، مادام ثمة تكافل على الظلم، وبلا أي نية لتحسين هذه الصورة، وإنما الإمعان في خذلان ذاك المخلوق الهشّ الذي يخلق من ضعفه قوة لا مثيل لها، برزت في أداء «قرعوني»، وتعدد شخصياتها على الخشبة، من الصبية المتزوجة من عجوز عاجز زوجياً، إلى امرأة خاضعة لتبدلات مزاج زوجها بعد «كتب الكتاب»، إلى المُطالِبة بالطلاق وبقائها «لا معلقة ولا مطلقة» بحكم دعم القوانين الجائرة، وسطوة الذكورة المجتمعية، والتقاليد البالية المسيطرة على حيوات النساء، لدرجة بتن أشبه بأسرى ضمن سجن مفتوح، لكن بلا قدرة على الطيران، إذ إنهن معلَّقات بأبنائهن، ورغبات أزواجهن، ودعاوى «السَّتر»، وعدم خلخلة صورة المجتمع بجموعِهِ المُذكَّرة السالمة، التي لا تعطي بالاً للأنثى، إلا كأجساد للمتعة والإنجاب والخدمة، بعيداً عن أي روحيّة ينبغي النظر إليها بعين المساواة والرأفة الإنسانية.

زهاء عشر شخصيات يوحِّدها الألم والحرمان، استطاعت «قرعوني» أن تنسج تفاصيلها على الخشبة، وأن تحيك أجزاء معاناتها بلا تكرار، بل بحيوية تنبع من الداخل، من فهم خاص لروح الألم، وتثوير الأقنعة، ليس بمعناها المادي، وإنما ما يشمله التقمص وجماليات التجسيد وفهم الحالة الدرامية، والقدرة على التلوين في الأداء، بين المعنفات، مادياً وجسدياً وروحياً، إذ إن الانتقال من القصص الواقعية التي جمعها ودوَّنها «مشهور مصطفى» إلى معادلاتها المسرحية، وضعنا أمام خيارات من الدهشة والتخيُّل والإيهام بأن ما جرى، مازال يجري بصيغته المستمرة على الخشبة، من دون أن تُساهم التحويرات الفنية إلا في تعميق الأثر، إذ طالما أن امرأة تحولت بفعل المسرح إلى حشد من النساء المعنفات، فإن أثر الظلم والقسوة واللاإنسانية تعاظم على «قرعوني»، فهي المصلوبة على أمل تحصيل حقوقها، وأن تحظى بحضانة ابنها «شادي»، لكن انتزاع تلك الحقوق لا يتم من دون «صبر المحابيس»، والاتكاء على جميع خيوط الحقيقة، وحياكتها قطبة وراء قطبة، بغية الوصول في النهاية إلى القناعة بأن العمل والإنجاز كتجسيد للأقوال هما الأجدى، فالحكي وحده غير قادر على قلب المعادلة، بل ينبغي أن يقترن بدوران عجلة العمل على أرض الواقع، لا البقاء في أسر الوهم بأن ثمة من يصغي لمطالب المعذَّبات ولو من وراء الجدار.

سينوغرافيا مبدعة لـ«مصطفى» تجمع بين القفص وقضبان السجن والدوران في حلقة مفرغة، على أنغام تكسير الصحون تارةً، وتبادل إطلاق النار والاتهامات تارة أخرى، وعلى ألحان أغنية «يا شادي» التي كتبها ولحَّنها «خالد العبد الله» واستمرت كلازمة وحبل سرّة يربط الحكايات مع بعضها، بإضاءة حساسة لـ«محمد فرحات» توازن بين الحرية والأسر، العام والخاص، الداخل والخارج، وفق خيوط تدور على أنوالها وبَكَراتِها، ناسجةً في النهاية عاطفة جماعية تُدين الظلم، وتُعلي من شأن عدالة ما زالت غير محققة ولو بأبسط تجلياتها الإنسانية.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed