آخر تحديث: 2019-11-13 12:41:08
شريط الأخبار

يجْعَلْها عَمَار..

التصنيفات: رؤى عربية

ليست هي المرة الأولى التي أزور فيها سورية منذ بدء الحرب عليها، فقد زرتها عشرات المرات، لكن هذه الزيارة جاءت بطعم مختلف. لعل السبب هو أنني أعود بالسيارة عن طريق معبر نصيب، هذا المعبر الذي كنت مع الدكتورة راوية البورنو، والدكتور حسان بدران آخر المسافرين الذين مروا عبره. يومها اضطررنا للسير على الأقدام من معبر نصيب إلى معبر جابر الأردني.
كانت فرحتي عارمة بالعودة من المعبر ذاته بسيارة أجرة، لأشهد الازدحام المعتاد والمسائل المتكررة. الشيء المزعج الوحيد كان سائق السيارة الذي ما انفك يشكو من كل شيء؛ «التأخير، الغلاء، الفساد»، ويروي سلسلة لا تنتهي من القصص.
عند آخر نقطة قبل مغادرة المعبر، اكتشفت أن السائق يحمل جواز سفر أردنياً، فبادرته وقد ضقت به ذرعاً: ما دمت أردنياً ولا تعجبك سورية، فلماذا لا تسكن في الأردن. بدا لي وكأنه صُدِم من السؤال، واعتقدت أنني أخرسته لبقية الطريق. بعد صمت قصير عاد بوجه آخر، وبدأ يحدثني عن روعة الشام التي ولد ونشأ فيها، وعن طيبة أهلها، وأكلها، ومجانية التعليم والطبابة… فجأة أصبحت سورية أجمل بلاد العالم.
سيدة سبعينية تدخلت في الحديث مؤيدةً، فقد غادرت حمص قبل أربع سنوات لتعيش مع ابنتها في إحدى دول الخليج، واستغلت زيارتها إلى عمّان لحضور عزاء أحد الأقارب لتعود إلى سورية، رافضة رجاء ابنتها للعودة إلى الدولة الخليجية لتجديد إقامتها على الأقل. اختتمت حديثها بالقول: «بلدنا ما في أحلى منها ومن أهلها، حملتنا طول هالعمر، لمّا أموت بدي أكون سماد لترابها». وصلنا دمشق. وبعد إفطار سريع في أحد المطاعم الشعبية، انطلقت إلى معرض الكتاب في مكتبة الأسد. غبت عن المعرض أكثر من عشر سنوات. أكثر ما خشيته أن يكون المعرض، مثل بقية معارض الكتب في وطننا العربي، مبنياً على كتب الأمور الدينية والاجتماعية والاقتصادية. خطواتي الأولى بين أكشاك المعرض، كانت على وقع أغنية فيروز «سنرجع يوماً» ما ضاعف جرعة الانفعال العاطفي التي رافقت الزيارة.
الملاحظة الأولى كانت العدد الكبير من الأطفال، الذي اتضح أنه مرتبط بوجود العديد من الأكشاك المتخصصة بقصص الأطفال ووسائلهم التعليمية والترفيهية. كان الأطفال يركضون في جميع الاتجاهات فرحين بما اشتروه من كتب، غير آبهين بصرخات مخرجي ومصوري القنوات التلفزيونية وهم يعبرون من أمام كاميراتهم أثناء تصوير اللقاءات مع المشاركين في المعرض.
العناوين الفلسفية كانت حاضرة بقوة، فهنا نيتشة وفوكو، وهناك ماركس ولينين وغرامشي، وفي كشك آخر جاك دريدا وجيل دولوز وسمير أمين. عناوين تستفز الزائر للشراء. لكن أحد الزوار رد على صبية كانت تقنعه بشراء المزيد من الكتب، بأن الرقابة اليوم ليست على محتوى الكتب، ولكن على محتوى الجيوب من النقود.
كانت للأدب العربي والعالمي مساحة واسعة، رافقتها مناسبات توقيع الأعمال الأدبية التي تَجمّع حولها العشرات هنا وهناك، لكن أسعار هذه الكتب ظلت بعيدة عن متناول شريحة واسعة من مرتادي المعرض. الكتب ذات الطابع الديني، وكتب التنمية البشرية كانت حاضرة ولكن ليس بالزخم المعهود. ونالت كتب التنمية البشرية الكثير من التندر والنكات التي ألقاها العابرون من أمامها.
الخلاصة، أن المعرض بتنظيمه، والمشاركين فيه (نحو 250 داراً للنشر) وعناوينه ورواده، يشكل ظاهرة لافتة في زمن يحب الكثيرون تسميته «زمن الأزمة».. لقد أثبت أولئك المتجولون في أروقة المعرض، والذين اقتطعوا دريهمات من لقمة عيشهم لشراء كتاب، أو قصة أطفال، أن الأزمة موجودة في مكان آخر غير قلوب وعقول السوريين الذين يبذلون كل ما في وسعهم لتعود البلاد إلى طبيعتها ودورها.
في اليوم التالي، كانت لي زيارة أخرى ذات بعد عاطفي.. زيارة لـ«جريدة تشرين» التي أكتب فيها مقالاً أسبوعياً منذ أكثر من سنة. اجتاحني شعور بالزهو وأنا أخطو في ردهات الجريدة التي اعتدت قراءتها في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنت طالباً في جامعة دمشق. اليوم أدخلها ككاتب على صفحاتها، وفي هذا الزمان بالذات، فإن الكتابة فيها مكافأة لا يضاهيها إلا سعادتي بمن التقيت من الأساتذة الذين سأفتخر دائماً بأنني نلت شرف الكتابة بـ«معيّتهم».
في المساء، كانت الزيارة الثانية لمعرض الكتاب، والتي تزودت خلالها بما يمكن حمله عبر الحدود من الكتب.. في المساء ذهبت للعشاء بـ«معيّة» بعض الأصدقاء في أحد المطاعم الجميلة والجديدة.. ذكرني الحوار بسائق السيارة الذي أحضرني من عمّان، فهم يشتكون من كل شيء في مدينتهم، التي يعدّونها أجمل وأفضل مدينة في العالم.
رحلة الأسواق، طقس يرافق كل أردني يزور دمشق. من الصالحية إلى باب توما، إلى أحياء دمشق القديمة… أماكن تشغل مساحة كبيرة من الذاكرة ليس بجغرافيتها فحسب، ولكن بعبق تاريخها. ما إن تبدأ الرحلة حتى تستعرض ذاكرتك الأماكن التي تمر منها، حتى لو كانت تلك المرة الأولى، فلا بد من أنك قد سمعت قصة عنها، من والد أو عمٍ أو صديق. تتابع لائحة التوصيات المرتبطة بالعناوين؛ «بياضات من الحريقة، بهارات من البزورية، نرجيلة من العصرونية، قطعة حديد لتحميص الخبز من المناخلية». بعد انقضاء التسوق، تستعيد طعم طفولتك بتذوق البوظة في سوق الحميدية.
تحاور الناس المتعبين مما أصاب بلدهم، يؤكدون أنهم برغم مرور كل هذه السنوات يكادون لا يصدقون ما أصاب البلد. تنطلق الآهات، مع جُمَل من قبيل «جنة الدنيا الشام» أو«والله عمرنا ما أذينا حدا.. طول عمرنا بنستقبل العرب بعيونّا قبل بيوتنا». تشعر بالخجل، من تقصير الكثيرين تجاه سورية وشعبها. لكن عيون المتحدثين لا تلبث أن تلتمع بالأمل «هم بس يحلّوا عن سورية… سنة وبترجع أحسن من الأول». يدركون من هو العدو، من دون مواربة أو شك. يشتكون لـ«التنفيس» عمّا تركته الحرب من جراح، لكنهم سرعان ما يتداركون الشكوى بجملة تنصف بلدهم، وجيشهم، وقيادتهم.
لعل هذا الدرس غاب عن قوى العدوان، وهي تخطط لحربها على سورية، لم يدركوا أن معظم السوريين لا ينظرون إلى وطنهم كمساحة من الجغرافيا يقطنونها ويرتزقون من خيراتها فحسب.. هم يرون سورية أمّاً يخطئون بحقها ويصيبون، تغضب منهم وترضى عليهم، لكنها لا تقدر إلا أن تُحب أبناءها، ولا يقدرون هم إلا على مبادلتها الحب نفسه.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed