آخر تحديث: 2019-11-20 15:29:00
شريط الأخبار

الإعلام والاحترافية اللاّمهنية.. الوعي السياسي العربي بين إعلامين

التصنيفات: رؤى عربية

لا مجال هنا للتحليل بالفطرة لأنّ هذا سيقودنا إلى وضعية حرجة، وهي الوضعية التي تسمح بتسرّب أشكال الاستعمال المُغرض للحقائق الزائفة، تأكيداً لعلاقة الإخبار بالمصلحة، وهذه المصلحة ستبالغ في الانحدار لكي تصبح مصلحة شخصية، وحين تدخل المصالح الشخصية في صناعة الخبر وكجزء من لعبة ميديائية نكون أمام تقويض للمبدأ، فالمرتزقة -سواء في حرب ميدانية أو داخل غرف عمليات إعلامية -هم غير معنيين بالمصلحة العامّة ولا بسلامة الأوطان ولا باستقرار المجتمعات، بل هم معنيون فقط بمصالح شخصية يستطيعون فيها بيع الضمير والأوطان ومصلحة المجتمع مقابل صفقة صغيرة.
في تتبعنا ظاهرة بيع الذّمم وفساد الضمير المهني في مجال الإعلام خرجنا بمعطيات مهولة، تجعلنا نقف على حجم فساد البنيات التواصلية للوسائط باعتبارها بنيات حرب ضدّ الحقيقة. إذ كشفنا بالاستقراء أنّ الفئة المستهدفة بهذا النوع من الاستعمال الفاسد هي الفئات غير السّويّة أو غير الطبيعية سيكولوجياً وسوسيولوجياً، ففي دراستنا التحليل-نفسية لعيّنات من هذه الظواهر وتتبع أنماط المكر والحيل التي تُميز خطابهم السياسي أو الثقافي- وهو المكر نفسه الذي يُميز طرق تعبير المرضى النفسيين- كنا أمام ظواهر مرضية بعضها يكاد يقترب من الأمراض العقلية: عقدة حقارة، الذّهان المزمن، الهذيان وجنون العظمة…أمّا أخلاقيّاً فالسمة الغالبة على تلك العيّنات هي الغدر والانحطاط المفرط.. أما الأسلوب فهو المكر الذي يتمتّع به المرضى النّفسيون، وخلال السنوات الماضية تمّ استخدام «سقط» المجتمعات العربية في محور تزييف الحقيقة وإعادة إنتاج التّفاهة عن طريق مكر الخطاب. وهذا طبعاً كلّه يتمّ عبر تداول المفاهيم نفسها المتاحة في هذا المنحدر اللاّمهني الذي يعقّد المهمّة على المثقف الحقيقي والإعلام الحقيقي الذي سيجد نفسه في كل موقف مضطراً لإعادة ترميم بنية المفاهيم.
غير أنّ هذا الوضع – ولحسن الحظّ – لم يعد واعداً، وتدرك هذه العينات أنّ صبيب النّفط له نهاية وأنّ النّفط مثل الزّمن لا يحمل وفاء لأحد، ولذا فهم في وضعية هرولة وسباق محموم للظفر بأقصى ما يمكن من الصفقات، ولذلك أيضاً يستعرضون خدماتهم التي بدأت تفقد قيمتها في زمن انقلاب الجغرافيا السياسية. ولما كانت هذه العينات لا تملك غير المكر في تدبير إنشائها الجامد فإنها لا تستطيع مجاراة انقلاب هذه الجغرافيا ما ينعكس على تلوّن خطابها إلى حدّ الفضيحة.
خلال السنوات السابقة كنّا أمام اتجاهين من الإعلام، والحرب بينهما قائمة على أساس استهداف المضمون، إعلام وصف نفسه بـ«الاعتدال» لكنه غطّى كل مسارات الحرب النفسية التي مارسها الإرهاب في بيئات التوتّر، ولا يستطيع أحد أن يتحدّث عن استقامة نظرية فيما يتعلق بالتعاطي مع تحولات المنطقة، وهي نقطة ضعف هذا الإعلام من ناحية المضمون مقارنة مع إعلام الممانعة، فلقد أوجد شكلاً من التوازن ليس بمقدار الريع الإعلامي بل بمقدار ما يتمتع به المضمون من مصداقية تنطلق من الميدان وليس من خداع الصورة.
تغيب الاستقامة النظرية من إعلام «الاعتدال» سنسميه كما سمّى نفسه على حين غفلة من الوعي العربي – وتظهر بشكل يستطيع الوجدان تمييزها في إعلام الممانعة. وكنا طوال هذه السنوات أمام أزمة عدالة إعلامية. وفي هذا السياق، نما خطاب مخاتل يعد الأمر «خلافاً ووجهات نظر»، وهي المغالطة التي أفسدت مشهد الحقيقة وجعلت الطريق إليها بإنتاج الكلام وليس إلاّ الكلام. يقول هذا الطرف لذلك الطرف: إنك متأثّر بإعلام محور الممانعة، وتبدأ عملية التشويه التي تتصف بالركاكة والتكرار، علما أنّ البديل الذي يقدّمه هؤلاء هو عبر مغالطة خفية تدعي لك أنه «يمكنك أن تتعرف على الحقيقة من خلال إعلام الاعتدال كبديل» وهل يوجد غير هذا البديل الذي يخفيه المُحاجج؟.. وحين نقف على إعلام «الاعتدال» نكتشف أنّه جزء من حرب قذرة على محور الممانعة. أين يا ترى تكمن الموضوعية وهي أكثر الأشياء التي اختزلها هذا الإعلام نفسه في الاحترافية بدل اعتبارها أساس المهنية؟
تستطيع أن تلتقط الموضوعية من خلال التمييز، وحيث يصعب التمييز على متلقّى سطحي أو له مصلحة في تلقّي وتبنّي ذلك الخطاب، فإنّه لا مهرب من استنطاق الميدان، ففي إعلام الممانعة لا يوجد حتى الآن تلاعب حقيقي بالصورة، إذ كانوا طوال هذه السنوات من الأداء سادة الميدان والشفافية في نقل الصورة كما هي.
لقد رصدنا خلال هذه السنوات عدداً من الأكاذيب التي وقع فيها إعلام «الاعتدال» بعضها تركها من دون استدراك وأخرى أعاد تسويغها أو تأويلها. ولقد وجد إعلام الممانعة في ضعف المضمون الخبري لإعلام «الاعتدال» فرصة لمطاردته على طول الخطّ، وعلى الأغلب لجأ إعلام الممانعة إلى سياسة النقض على إعلام «الاعتدال»، بينما لم يأبه هذا الأخير لأنّ طريقته في مَحق الرقابة المهنية هي اعتماد التكرار وهذا الشكل من احتواء المتلقي عبر التدبير الماكر للصورة وإرسال الخطاب.
ومع أنّ «الجيش» الاحتياطي المستعمل في هذه المرحلة الاستثنائية من الحرب على الحقيقة انتهى إلى إفساد المشهد وشحنه بمثقفين مزيفين ومحللين سياسيين لا يُحسنون غير صفّ أحكام القيمة وتكرارها، فإنّهم في نهاية المطاف لا يشكلون سوى أرقام قابلة للاستعمال والتخلّص منها في القمامة عند كلّ منعطف. وتسعى هذه الأرقام إلى التحرر من هذا التمكين وبناء وضع شخصي لها، وهو أمر سيكون صعباً لأنّ لعنة التّاريخ ستظل تلاحق عدم جودتها وعدم مصداقيتها وعجزها عن أن تكون قائمة بذاتها، لذلك يصعب عليها التفرّد والاستقلال والحرية لأنّها أصلاً منحدرة من طابور لا يقوم بذاته وإنما هو معرض للتلاشي ما إن ينتهي التمكين.
لقد تغلّب الإعلام المغالط على مكانة المثقف الحقيقي، واستعمل هذه الخردة المتحاذقة في معركة الإذلال غير المعلنة على النّخبة المثقّفة التي بدورها اخترقتها الانتهازية وحال الجبن بينها وبين حماية المشهد من الإسفاف.
إنّ إعلام «الاعتدال» هو فضاء لتقديم مهازل الخطاب وحراسة «معبد» التّفاهة. وكما قلنا فلا أهمية لهذه الأرقام التي تُمدّ بها خردة سوق عقدة حقارة المشهد بما يحتاجه من متحاذقين يخونهم المنطق والتّاريخ ومخارج الألفاظ والمكر الذي تظل آثاره محفورة في جبين الهاربين من المنحدر السيكولوجي والسوسيولوجي، إذ لا يتعلّق الأمر بمجرد تعويض – فهذا هو المطلوب في مسار التعالي بالميول والغرائز – بل يتعلّق الأمر بثأر.. وبتدفّق الهمجية وتحكمها بوسائل إنتاج التّحضّر.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed