كما قال جوزيف ستالين، ثاني زعيم للاتحاد السوفييتي السابق: «في الانتخابات الذين يدلون بأصواتهم لا يقررون شيئاً. من يفرزون الأصوات يقررون كل شيء».
ليس التصويت بالأمر الضروري في الولايات المتحدة، وسواء صوّت المواطن أو لم يصوت ستستمر الدولة البوليسية في الدوس على حقوق المواطنين، فالمرشح الذي فاز بالبيت الأبيض قد عقد صفقة خاسرة للحفاظ على الدولة البوليسية في السلطة، فلم يعد من المهم أي من الأحزاب سيكون سباقاً إلى ممارسة سلطة الاستبداد.
بالتأكيد هناك خيارات متعددة، لكن الاختلافات بين المرشحين سطحية وشكلية وتفتقر إلى أي قيمة فاعلة بالنسبة للدولة، فما يقدم اليوم للشعب من معلومات مضللة من شأنه أن يقضّ مضاجعهم خلال السنوات القادمة.
باراك أوباما أثناء ترشحه للانتخابات الرئاسية، أسس حملته الانتخابية على رسائل الأمل والشفافية والتغيير، ووعد بوضع حد للحروب والهيمنة، فإلى أين فعلاً آلت وعوده هذه مع اقتراب نهاية فترته الرئاسية؟
في عهد أوباما، تمت مقاضاة مخبري الحكومة وارتفعت مبيعات الأسلحة وتسارعت عسكرة الشرطة واتسع نطاق الرصد والاستطلاع، كما عسكرت إدارته العالم ونقلت الحروب الخارجية إلى الداخل فتحوّلت المجتمعات الأمريكية إلى ساحات للقتال الشديد، وخلاصة القول: إن الولايات المتحدة اليوم هي أسوأ مما كانت عليه قبل ثماني سنوات، فالأمريكيون يتعرضون لمزيد من الرقابة الحكومية ومزيد من انتهاكات الشرطة ومزيد من مداهمات فريق القوات الخاصة (سوات) ومزيد من التفتيش العاري المهين على جانب الطريق ومزيد من الرقابة، ومزيد من العسكرة والظلم والفساد والمحسوبية والكسب غير المشروع والأكاذيب، القوانين باتت شائنة والتكنولوجيا أضحت أكثر اجتياحاً، والحروب لا نهاية لها، فالفساد طال كل شيء محولاً الحلم الأمريكي إلى كابوس، وضاعت معه فرصة الحصول على مسؤولين منتخبين يمثلون الشعب الأمريكي حقاً.
تحت مسميات «الواجب الوطني» يتعرض الأمريكيون أثناء الانتخابات لشتى مظاهر التخويف والترهيب بذريعة أنه ليس لديك الحق في الاحتجاج على أداء الحكومة مستقبلاً ما لم تكن قد أدليت بصوتك فلكل صوت أهميته المستقلة ومستقبل الأمة يعتمد عليك علماً بأن الدستور الأمريكي لا يلزم الشعب بالتصويت.
سواء قمت بالتصويت أو لم تقم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لهذا العام فإنه لديك كل الحق في الاحتجاج وفي انتقاد الحكومة حين لا ترقى إلى مستوى توقعاتك الخاصة، فبعد كل شيء الشعب هو من يرهق بالضرائب كي تتمكن الحكومة من مواصلة عملها الموسوم بالفساد.
الطريق الوحيد إلى الإصلاح هو ما تفعله لدرء عدم كفاءة الحكومة وسوء المعاملة والفساد والكسب غير المشروع والاحتيال والمحسوبية، وهو بعيد كل البعد عن صناديق الاقتراع. وبعد كل شيء المواطنة تشمل ما هو أعمق من التصويت للذي سيتماشى فور انتخابه مع إملاءات القوى الفاعلة على الساحة الانتخابية، فحتى الآن لايزال الشعب الأمريكي مقتنعاً بأن كلاً من السياسيين وصقور الحرب والشركات الأمريكية هم الذين يديرون البلاد، وتبقى الدولة البوليسية سائدة في كل الحالات بغض النظر عن أي من المرشحين سيفوز في يوم الانتخابات. ويمكننا القول: إنه لا أهمية لمن يدخل البيت الأبيض ويسيطر على مجلسي النواب والشيوخ ويتم تعيينه من المحكمة الدستورية، إذ إنه فقط الذين على استعداد للتودد إلى القوى هم أصحاب التأثير الحقيقي.
الصحفي الأمريكي كريس هيدجز الحاصل على جائزة «بولتيزر» للصحافة كتب يقول:
المؤسسات المالية اللصوصية في شارع المال في نيويورك ستدمر الاقتصاد وستنهب وزارة الخزانة الأمريكية وتجرها إلى انهيار اقتصادي جديد سواء فاز المرشح عن الحزب الجمهوري دونالد ترامب أو المرشحة عن الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية الحالية. السجون ستظل قائمة على نظام العبودية حيث سيسجن الفقراء وستسلب كرامتهم وحقهم في العمل والتعليم. وستواصل الحكومة ترحيل ملايين الناس غير الشرعيين بينما ستقلص من الخدمات العامة عبر برامج التقشف، الأمر الذي يزيد من تسوس البنية التحتية ويحد من البرامج الاجتماعية.. سواء كان ترامب أو كلينتون الرئيس القادم للولايات المتحدة فإن المال سيحل مكان التصويت وسيغرق نصف الأمريكيين أكثر في بحر الفقر والبؤس.. هذه ليست تكهنات محضاً، فاستمرارية كل قضية من هذه القضايا من اتفاقيات التجارة إلى الترحيل الجماعي إلى الحروب بين إدارتي بوش وأوباما تؤكد ما سبق.
إن الشعب الأمريكي لايزال تحت سيطرة قلة غنيّة يحرسها جيش نظامي أو شرطة مسلحة. تمارس ديكتاتورية غير مرئية من نوع ما، وتتأثر بتقلبات السياسة الحزبية كما لا يمكن الإطاحة بها عن طريق صندوق الاقتراع.

print