كثيراً ما تأخذنا الحكايا إلى ما يمكن أن يظن بوطأة التكرار خصيصة عربية، حيث الوقوف الطلَليّ وبكاء الديار. وكثيراً ما تسلبنا بكائياتنا المتناسلة ما يمكن أن يطرأ علينا من مباهج يسهل اقتناصها للفرح، وكثيراً ما يصرخ في وجهي صديقي الملحن والمطرب الصديق محمد الحلو: أليس لديك ما يفرح؟، وأبتسم دامعاً، بلى يا صديقي، لدي حلم بوطن لايزال قادراً على الصمود، لدي أمل في غد نسترد فيه ولو بعض ما ألقيناه طواعية أو كرهاً إلى جحيم يظل موقدوه حرصاء على بقائه وسط تصفيقات السذج ومقرر الإملاء، ونهج السمع والطاعة للمرشد العام الكوني ساكن البيت الكالح في واشنطن المكائد.
يهدأ صديقي، ويبدأ في استدعاءاته مما شاهده أو سمعه أو قرأه من أخبار وحوادث عن الوضع العربي في اليمن وليبيا والعراق والسودان، فضلاً عن مصر وعندما أستحثه على مدّي بما يخص سورية ألمح في عينيه رضا، رغم أسى يبدو في صوته وهو ينقل المبثوثات في نشرات الأخبار، وعبرات تكاد تخنق هذا الصوت فلا يكاد يبين. ثم سألني: عم تكتب لـ«تشرين» اليوم؟، أجبته من دون حسم: المرارات خفّت، والبوادر زافاتٌ بشائر نصر، وإن كان فادح الثمن، إلا أن الأمر يا صديقي، رغم كل شيء، فيه ما يدفع إلى انتظار انتهاء الضخ في أنابيب الدمار بعد أن تشل أيدي من يقومون عليه بفعل الصمود الأسطوري لجيشنا العربي السوري.
صمت صديقي وأطرق حزيناً مضيفاً: معك حق، صمود أسطوري في وجه كل آلات التدمير الغربية وأدواتها وتمويلاتها، فضلاً عن الخونة والمرتزقة.
عاجلت صديقي: ليسوا منا، نعم ليسوا منا، فالجين العربي الأصيل يرفض الخيانة، ويأبى الارتزاق ببيع الوطن، على مائدة تفاوض، أو في ميدان قتال، إنه المبدأ يا صديقي، وهو لا يقاس بالأمتار، ليس بمدى الصمود، أو مسافة الانتظار، أو طول الصبر والتحمل أو قصره، إنما هو صمود أو لا صمود، إخلاص أو سواه، المبادئ يا صديقي ليست نتاج معامل تكرير كتلك المعنية بالزيت النفطي، وليست طفل أنبوب، يسعى الأبوان إليه بعد أن تعييهم حيل الأطباء، ولهذا، ولو تأملت خريطة الصراع الدائر في سورية أو في العراق أو في اليمن، بين الإرهاب والمخلصين من أبناء الوطن ستجد هذا واضحاً، فمن يقبضون على مبادئهم في صون الأوطان أبداً لم يكونوا في صف مرتزقة الشرق والغرب، وحتى المعارضون منهم لأنظمة الحكم في بلادهم لا يتغيون إلا عدلاً وحرية وكرامة، وليس بيعاً لمستعمر جديد، وليس تسليماً للوطن على موائد مفاوضات أو ميادين قتال قد تكون في أغلبها ديكورية المشهد، هو الإخلاص للوطن، للقيمة، للمبدأ، ما يجعل الصمود السوري في وجه كل أجهزة الاستخبارات العالمية والمحرضين في واشنطن الخديعة، ووكلائهم باعة الغاز، ليس غريباً، وإن كان مثيراً للدهشة لدى من يتصورون الأوطان خزانة ملابس، أو صالة ألعاب الكترونية، إن احترقت أو هدمت سهل إنشاء غيرها، المخلصون أصحاب المبادئ يا صديقي، وأنت منهم قطعاً، يؤمنون بأن الأوطان ليست راية ترفع أو نشيداً يتردد، لكنه الوجود كله، ومن ثم فالدفاع عنها لا يخص جيشاً أو شعباً، ولا تقوم به جماعة دون سواها، هو الحاضر أبداً في دفتر التوقيعات اليومية للمدنيين والعسكريين، لمن يقيمون لايزالون على أرضه في الداخل، ومن أجبرتهم القواصف والنوازف على المغادرة، الوطن يعيش فينا كما نعيش فيه، لذا نحمله معنا، على أكتافنا، وفي صدورنا إن غادرنا أرضه، أو بقينا عليها، وهذا ما لا يدركه من لا يتصورون العالم خارج دوائر معاملهم، وبورصاتهم، وأرصدتهم البنكية.
قال صديقي: لدينا إذاً موسم للفرح، بل مواسم لا تنتهي، فالعروبة مبدأ، وقيمة، ولا دخل لمعاملهم ولمختبراتهم فيها، هي باقية إذاً، رغم كل محاولاتهم، وهذا سر الثقة التي تتحدث بها عن سورية، وجيشها، وشعبها العظيم، والبسمة التي تسطع على وجهك كلما جلست للكتابة عن جيشنا العربي وانتصاراته على كل محاولات تركيع الدولة السورية.
قلت: هو المبدأ، وهي القيمة، لا بالأمتار تقاس، ولا من الأنابيب تولد يا صديقي، وهو الجين العروبي الأصيل.
كاتب مصري

print