استقطبت حرب الجيل الخامس التكنولوجية اهتمام القوى العالمية، وأصبحت دول جنوب شرق آسيا على تماس مباشر وعميق مع هذا الحراك الإقليمي مع تزايد التوتر بين واشنطن وشركة «هواوي» الصينية، والتي استطاعت اكتساب جولات متعددة من السباق التكنولوجي الدولي.
وتتحدث وسائل الإعلام الغربية عن قرار جماعي لدول جنوب شرق آسيا للمضي قدماً باستخدام تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس من شركة «هواوي» الصينية العملاقة، على الرغم من مطالب الولايات المتحدة بحظر جميع منتجات «هواوي».
وتستهدف واشنطن بوضوح عملاق الاتصالات الصينية، كجزء من حملة أوسع لشل اقتصاد الصين، واحتواء قدرتها، بزج الصين في معمعة معقدة من خلال تهديدات ملفقة على خلفيات أمنية لأغراض التجسس في جميع أنحاء العالم.
وعلى الرغم من حجم الحملة الأمريكية على بكين وشركة «هواوي»، وحث الولايات المتحدة حلفاءها لمنع استخدام المعدات الصينية، أطلقت تايلند مؤخراً سرير اختبار لخدمات الجيل الخامس من «هواوي».
وحتى الآن، لم تستطع واشنطن إثبات «تورط» بكين باستخدام معدات «هواوي» للتجسس، وبالتالي لجوء واشنطن «للقوة الناعمة» مع محاورها الأخيرة في آسيا، مصحوبة بعدة محاولات فاشلة للإطاحة بالحكومات الإقليمية، واستبدالها بوكلاء مناسبين. وبالافتقار التام لبدائل أمريكية مناسبة لمنتجات «هواوي»، هناك القليل من الغموض حول سبب تجاهل المنطقة ككل لمطالب أمريكا, فمازالت واشنطن تستخدم أسلوب الإكراه والتدخل بالشؤون الداخلية والحروب لفرض هيمنتها ووجودها وهذا ما يجعلها بعيدة عن أي خيار في العلاقات الدولية الثنائية والتحالفات القائمة.
فعندما وصفت واشنطن الفلبين كواحدة من شركائها الرئيسيين لإثارة الصين تجاهها نزاعات في بحر الصين الجنوبي، قررت مانيلا زيادة حصة التعامل مع بكين، ومن دون إملاءات أمريكية وبتجاهل علني لمطالب الولايات المتحدة بإغراق تقنية «هواوي».
وكانت ماليزيا هدفاً آخر للتدخل السياسي الأمريكي، وعلقت الآمال على قطع العلاقات مع بكين لاسيما بعد الانتخابات الأخيرة، وعلى عكس التوقعات، تعززت العلاقات الثنائية بين ماليزيا وبكين واستمرت الصفقات بينهما.
وبتجاهل ماليزيا ودول أخرى آسيوية مطالب أمريكا بحظر منتجات «هواوي»، والمضي قدماً في استخدام تكنولوجيتها للبنية التحتية للجيل الخامس، تؤكد ماليزيا أن مستقبل آسيا يتحدد في آسيا من قبل الدول وحكوماتها الشرعية وليس عن طريق واشنطن.
إن هيمنة أمريكا جيوسياسياً وبوجود قوة عسكرية واقتصادية قوية، فإن وسائل فرض العقاب على الدول التي تعارض أجندتها، أصبحت غير مجدية. فالولايات المتحدة لا تخسر أمام الصين بسبب قوة منافسيها فحسب، بل أيضاً بسبب سياستها الخارجية العدائية، فلا يمكن لسياسة الإكراه والتهديد أن تغير حقيقة الموقف السياسي والعسكري الدولي تجاه واشنطن ما لم تتبن سياسة خارجية أكثر ملاءمة وتوازناً.
وستواصل موسكو وبكين وعواصم القوى العالمية الناشئة بناء نظام عالمي بديل قائم على توازن القوى متعددة الأقطاب وأولوية السيادة الوطنية، فلا يمكن لدولة فرض إملاءاتها وشروطها على دولة أخرى.

عن «نيو إيسترن آوت لوك»

طباعة
عدد القراءات: 89