25 طلب استقالة ركنها مدير الشركة الأهلية للمنتجات المطاطية أنس ياسين أمامه، بغية إيجاد صيغة تحقق بعض الرضا لعاملين من أصحاب الخبرات، لأن هذا الرقم سيرفع نسبة الفاقد في العمالة التي وصلت إلى 52 %!
لم تعد بضعة الآلاف التي يحصل عليها العاملون تؤمن لهم أسعار الخبز، بالتزامن مع وجود من يقدم لهم أرقاماً مغرية للعمل معهم في القطاع الخاص الذي اعتاد عبر عقود من الزمن على استثمار خبرات يدربها القطاع العام، ومن ثم يقدمها لغيره!
يقول بعض العمال في تلك الشركة: إن أفضل راتب لعامل أمضى أكثر من 25 عاماً في العمل ولديه الكثير من الخبرات لا يتجاوز 38 ألف ليرة، ويمكن لهذا الأجر أن يصبح 200 ألف ليرة مقابل الخبرات التي يملكها ويطلبها القطاع الخاص.
هذا جانب من واقع عمل الشركة الأهلية للمنتجات المطاطية، الذي يلخص الكثير من حال شركات القطاع العام.
فالشركة التي ظلت تعمل في منطقة ساخنة، وبدلت أكثر من ستة مديرين خلال مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر، قبل أن تستقر أمورها مع الإدارة الحالية، تصنع منتجات تجد صعوبة في تسويقها، بعضها لأسباب عامة تتعلق بالبحث عن الأرخص، وبعضها بسبب التعاميم التي تحابي القطاع الخاص على حساب شركات القطاع العام.
في هذا السياق نستعرض واقع عمل هذه الشركة، الذي يتشابه مع عموم القطاع العام بالمشكلات الآتية:
نقص كبير في الخبرات والكوادر، نقص في كل المواد والمعدات المطلوبة لعمليات الإنتاج، منافسة غير متكافئة مع القطاع الخاص تجعل الشركات المنتجة تعاني تسويق الإنتاج رغم التزامه بالمواصفة الأفضل، مشكلات في التسويق رغم نقص المواد في الأسواق المحلية، لكن موات القوة الشرائية يجعل الأفضلية للأرخص.. إذا كان هذا الملخص الصغير يصف السمة العامة للعمل في القطاع العام، فما هو حاله بعد الحرب التي جففت الميزانيات المخصصة لتلك الشركات؟
نفد صبرهم
يقول رئيس الاتحاد المهني للنفط والكيماويات غسان السوطري: إن المدير الحالي أنس ياسين يدير هذه الشركة منذ نحو ثلاث سنوات، وقبل أن يستقر المدير الحالي تم تبديل ستة مديرين خلال ثلاث سنوات، ربما لم يجدوا الصبر الكافي لإدارة كل تلك المشكلات وفي منطقة ساخنة حتى وقت قريب.
أضاف السوطري: إن الشركة الآن رابحة، وتؤمن دخل موظفيها كحد أدنى، ولولا القرارات الظالمة التي ألغت العقود بالتراضي، ومطالبة الجهات العامة المنتجة الدخول في المناقصات إلى جانب الخاص لكان وضعها أفضل، ولكن وضع القطاعين في منافسة لن يؤدي إلا إلى خلاصة واحدة وهي: إن الشركات العامة التي تدخل في المناقصات خاسرة حكماً أمام الميزات التي يتمتع بها القطاع الخاص، والقصة أن القرار بقي ساري المفعول مدة شهر واحد، وبعدما أنجزت العقود المطلوبة تم التراجع عن القرار! ولكن بعدما خسرت الشركة الأهلية- وغيرها من الشركات العامة- عقد توريد كمية 500 طن من الرقائق مع مؤسسة الحبوب، وتكدست المادة في الشركة التي تشكل 75% من مجمل منتجاتها، وكانت مؤسسة الحبوب تستجر سنوياً 200 طن، لكنهم تراجعوا عن الاتفاق بعد مطالبتهم الالتزام ببلاغ رئاسة مجلس الوزراء القاضي بإلغاء عقود التراضي والتوجه إلى المناقصات ليسمحوا للقطاع الخاص بالتقدم! وبهذا القرار الذي تم التراجع عنه بعد شهر ضاعت فرصة الأهلية باستثمار كامل الطاقة التي تصل إلى إنتاج 2500 طن سنوياً.
وعن قرار رئاسة مجلس الوزراء بإلغاء عقود التراضي والطلب من الجهات العامة الخضوع للمناقصات عقّب السوطري بالقول: إنه عند وجود شركة قطاع عام تنتج أي مادة تحتاجها شركات قطاع عام أخرى، فيجب أن تكون الأولوية لها في التوريد، أو أن تترك لها حرية العمل كما القطاع الخاص.
ينافس القطاع الخاص منتجات الشركة من الرقائق البلاستيكية، ويكثر الطلب على هذه المواد في المنطقة الساحلية لزراعة البيوت البلاستيكية، ولكنهم يشترون المواد الأرخص ولو كان على حساب الجودة كما يحصل في كل المناطق ومع كل السلع.
مواد سامة
تنتج الشركة الأهلية أيضاً عبوات بلاستيكية، وجزمات مطاطية، وأكياس خبز، وفي المنتج الأخير ظهرت مشكلة تسويق أيضاً قبل أن تعود المخابز وتستجر المتاح من أكياس الخبز التي تنتجها الأهلية.
لأكياس الخبز قصة أخرى أيضاً، إذ إن مؤسسة المخابز امتنعت فترة عن استجرار إنتاجهم من الأكياس، وفضلت الحصول على حاجتها من إنتاج القطاع الخاص لأن سعر كيلو الأكياس عندهم أقل بنحو 150 ليرة، ففي حين يباع الكيلو المنتج من الشركة المطاطية بنحو 900 ليرة يباع في الخاص بمبلغ 750 ليرة. ولكن المفارقة الأخطر تظهر في نوعية الأكياس التي يتم إنتاجها لحفظ مادة أساسية كالخبز: تستخدم الأهلية مواد نقية، ويستخدم القطاع الخاص الكربونات كمواد مالئة لتخفيض التكلفة وزيادة عدد الأكياس، ويؤكد السوطري أن المواد المستخدمة غير نقية لأن النقية غالية الثمن.
يضيف الكيميائي ياسين: إن مادة الكربونات إذا كانت خالية من الشوائب تكون غير ضارة نهائياً، لكن وجود الشوائب كـ(الزرنيخ، والرصاص) يجعلها مواد خطرة ومسرطنة، ويؤكد أن هذه الأكياس يمكن تمييزها من لون الكيس المائل للبياض، والذي يفتقد قوة الشد.
وأكد ياسين أنهم استقدموا آلة جديدة لتصنيع أكياس الخبز في 2014 لكن تركيبها جاء بالتزامن مع توقف المخابز عن الاستجرار منهم، ثم عادوا لاحقاً، تنتج الشركة 350 طناً من الأكياس سنوياً، بينما طاقتها تصل إلى 475 طناً، وقد تنوعت منتجاتهم ولم تعد تقتصر على أكياس الخبز بل ينتجون أنواعاً أخرى.
المخابز ليست الجهة الوحيدة التي تستهلك الأكياس ذات المواصفة الأفضل، فهناك النسيجية أيضاً تستجر الأكياس لاستخدامها في تغليف أنواع من الغزول لأنه لا يتمزق، عوضاً عن استخدامه للخبز الأكثر أهمية بالنسبة للصحة.
بلا أسواق
من منتجات الشركة أيضاً الجزمة البلاستيكية، وهي تستطيع إنتاج ما يغطي حاجة جهات القطاع العام( المشافي، الصرف الصحي، المحافظة، الأسمدة، والإسمنت) من الجزمة البلاستيكية التي تصل إلى 50 ألف زوج سنوياً، ولكن أيضاً تجد تلك المنتجات صعوبة في التسويق بسبب فرق السعر مع القطاع الخاص، إذ تباع «جزمة» القطاع العام بسعر 2600 ليرة للقطاع العام، و2600 للخاص، في حين تباع منتجات القطاع الخاص بسعر يتراوح بين 1200- 1500 ليرة، ويؤكد المدير ياسين أن سبب الفارق السعري هو اختلاف المواصفة بين المنتجين.
المشكلات الأزلية
يجمع رئيس الاتحاد المهني السوطري ومدير الأهلية أنس ياسين على تحديد مشكلات هذه الشركة وغيرها من شركات القطاع العام بنقاط عدة منها:
– نقص عدد العمال، حيث تراجع عدد عمال الأهلية للنايلون من 254 عاملاً إلى 125 عاملاً، أي إن نسبة التسرب فاقت الـ 50%.
– صعوبة تأمين بعض أنواع المواد الأولية، حيث تمت إعادة الإعلان عن حبيبات خاصة بإنتاج المواد الزراعية أكثر من خمس مرات، وذلك بعدما توقف التعامل مع شركات عربية تؤمن هذه المواد في كل من السعودية وقطر، والبدائل الأخرى كالأوروبي والكوري أسعارها مرتفعة جداً، أما المنتج الإيراني فهناك صعوبة أيضاً في وصوله إلى سورية بسبب الحصار أيضاً.
– قدم الآلات، وصعوبة الاستبدال والتجديد.
إرادة.. إدارة.. تمويل
تتبع لشركة النايلون 3 معامل: معمل رئيس في المليحة تم نقل آلاته خلال الأزمة إلى باب شرقي لتشغيلها في المعمل الذي لم يكن معتمداً في السابق.
ولكل هذا يختتم السوطري، تعقيباً على واقع هذه الشركة وغيرها من الشركات في القطاع العام، بالتأكيد أن التجربة التي مرت فيها سورية أثبتت أنه لا غنى عن القطاع العام، وأنه الحامي الوحيد للاقتصاد الوطني وأن إصلاح هذا القطاع يحتاج إلى:
إرادة الإصلاح، وإدارات قادرة على الإصلاح، وتمويل وتشريع يحررانه من قيوده، وإلا فلا يمكن استمراره بهذه الممارسات التي تسيء له وخاصة ممن يدّعون حمايته.
الخلاصة: إن كادر هذه الشركة استمر في العمل وهو محاصر بين منطقتي جوبر وعين ترما اللاهبتين طوال سنوات الحرب، لينتجوا منتجات تحتاج معارك أخرى لتسويقها!

طباعة

عدد القراءات: 435