آخر تحديث: 2019-11-13 12:41:08
شريط الأخبار

إحراجات السؤال الأنطولوجي.. نخبة القطيع والمثقّف «الصّردي»

التصنيفات: رؤى عربية

مازلنا ندور عن السؤال الوجودي، وما زلنا نقرأ وضعية الفلسفة والعلم والمثقف في ضوء خطورة السؤال، وسنتحدث هنا عن العلم التّعلّمي الذي ينتج حالة قطيعية لا تتميز بفرادة في تدبير سؤال الوجود، ولا تتميّز عن القطيع سوى بقدرتها على استعمال المفاهيم الخاصة، ولكن لغايات لا تسمو عن تلك التي تُميّز فكر العوام. وتبدو عبارة «الصردي» بقدر ما تحمل من دلالة تحيل إلى «السردي»– لامانع من أن تكتب أيضاً كذلك – تجعل العلم شكلاً من السرد لا الاجتهاد، غير أنّني أعني بها مسألة أخرى يحيل إليها المعنى اللّهجي لكلمة «صردي» التي تعني في العامية المغربية نوعاً من الخرفان تتميز بقوام خاص وقرون ملتوية.
السؤال الوجودي والقلق الذي ينشئه ويلازمه لم يكن يوماً شأناً للعوام، لذا كانوا أبعد ما يكون عن إدراك المعنى الأسمى للحرّية، وحيث إنّ الحرية في مفهومها الأسمى لا تنفصل عن المسؤولية، فقد كانت وضعية القطيع هي الوضعية المناسبة التي تعطينا صورة كاملة عن افتقاد الحرية والمسؤولية، ومن هنا كانت الحاجة إلى القوانين، وهكذا لم يحصل في تاريخ النّوع أن أذعن النّاس للقانون إلاّ بالقهر والغُلب واحتكار العنف الذي يرتقي بالدّولة إلى «حارسة الروح بالمطلق» بالمعنى الهيغلي، لأنّها المؤسسة التي آل إليها تغالب المصالح، وأصبحت ضرورة لحفظ النوع والنظام، ولأنها في حدّها الأدنى تكون أفضل من الفوضى، ولأنّها تحافظ على الحدّ الأدنى من إدارة الرغبات المتناقضة لمجتمع يدرك قيمة التعاقد فقط حينما يصبح ضحية للعدوان،غير أنّ الدولة لا تشكل رغبة الجمهور الذي يتصرّف وفق غريزتي الرغبة والخوف، وتشعر الدّولة بأنها مستهدفة على نحو مستمر كما يشعر المجتمع بأنه مستهدف دائماً، وهنا تنشأ حرب باردة وأبدية بين الدولة والمجتمع، هذا الأخير يمتلك وسائل عنف خاصة به، وهو مهما تجرد يبقى يملك قوة نفوذ لا يضاهى، بينما الدولة تحتاج آلية احتكار العنف لتبقى.
لم يحدث في التّاريخ أن حصل تراض بين الدولة والمجتمع بالمعنى الذي يقدمه خطاب «اليوتوبيا» ولكن قد يحصل تواؤم حذر على أساس تدبير الانفعال الذي يشكل جزءاً من مهام الدولة التي تحرص هي الأخرى على أن يبقى المجتمع أكثر خضوعاً، لأنها تدرك مسبقاً أنّ العقل الجمعي قويّ وانفعالي، لكنه ليس بعيد المدى، وحين تعجز الدولة عن أن تصرف هذا الانفعال وتقننه في مشروع تعويضي خلاّق، فإنّ الانفعال قد يتحوّل إلى جريمة، وعنف جماعي، وانحطاط، وكل ما من شأنه أن يتهدد الاجتماع السياسي، لذا، فإنّ المجتمع يفرز قادته الذين يملكون التفكير بوسائل العقل الفردي وتدبير انفعالية العقل الجمعي.. قادة يفكرون بمكر الدولة فينشئون خطاباً ضدّ الخضوع مؤقّتاً، ولكن ما إن يتم «التمرد» حتى ينقلب الخطاب ليصبح خطاب إخضاع، وتستمر سنن الأمم على هذا المنوال، وكما ذيّل ابن خلدون آراءه في العصبية والغلب: (ولله في خلقه شؤون).
ولما كان السؤال الوجودي وحده نابعاً من القلق.. وهو وحده الذي يمنح للكائن فرصة تاريخية لانبثاق الروح.. ولما كان هذا ليس من شأن العوام وكان دائماً يشكّل إمكانية مفتوحة لهذا الكائن، فإنّ المجتمع لا يطلب من الدولة سوى خدمات تمليها شرائط التّموجد وأعراضه، كما إنّ الدولة التي يرتدّ وضعها إلى حالة تدبير مستدام للرغبات لن يكون السؤال الوجودي ضرورة لها، في هذا الجدل يتحلّل سؤال الوجود ويتلاشى في همّ التدبير ومطلب القطيع، ويحصل التأثير المتبادل، فلا يمكن للدولة أن تسمو أكثر من طموح المجتمع، ولا يمكن للمجتمع أن يسمو أكثر من سياسة الدولة، نحن هنا أمام عملية إعادة إنتاج بمفهوم ولكنها عملية متبادلة تتمّ في الاتجاهين.
الديكتاتورية ليست صفة عارضة على الدولة بل هي جوهر الدولة، لا توجد دولة غير ديكتاتورية مهما بلغ شأنها، فالديمقراطية ليست نقيضاً للديكتاتورية، وإنّما هي تدبير أمثل وأنعم للعنف والتحكّم ووقاية أمثل من السقوط في العنف العاري، إنّ الديمقراطية حكم أذكى فقط من نظيره الديكتاتوري في تصريف وإدارة العنف، وعندما تفرط الدولة في الاستبداد أو بتعبير برتراند راسل: الاستبداد العاري (وهو نوع من الاستبداد غير المبرر ويستند إلى العنف المجرّد) تصبح الدولة مشكلة حينما يصبح هذا الجوهر عاريّاً غير خاضع للتدبير.
ولقد تمّ إبداع طرق ماكرة لاستدراج الدولة إلى العنف العاري ليكون ذلك سبباً كافياً لسقوطها، وقد بلغت الفكرة أوجها إذ تحوّلت إلى حرفة وتقنية بل صناعة: صناعة الثورات.
قدمت أطروحة جين شارب برنامجاً للاّعنف الماكر الذي يستدرج الدولة إلى العنف العاري، وهو البرنامج الذي تمّ استغلاله بمكر عميق من القوى القادرة على تدبير الثورات في الهامش، أي الثورات التي يرعاها الاستبداد الإمبريالي الدّولي، ولأنّه يدرك خطورة الغزو – وهو شكل من العنف العاري ضدّ الشعوب – يلجأ لاستعمال الإرهاب الوظيفي بوصفه أداة لممارسة العنف العاري، وهو عنف يصيب الدولة والمجتمع معاً، وقد جُعل بديلاً عن فشل استدراج الدولة للعنف العاري عبر العصيان وفق نظرية جين شارب، فالغاية واحدة: تحميل الدولة مسؤولية العنف المفرط قصد تقويض شرعيتها، ولكن في أفق انهيار أي بديل واضح أو عقد اجتماعي حقيقي ثمة نزاع غريزي حول السلطة يجعل إمكانية قيام تعاقد حقيقي أمراً مستحيلاً.
خلال السنوات الأخيرة كنّا أمام حالة استغلال نظرية استدراج الدولة إلى العنف العاري، في بيئة دولية تقوم على تدبير انتهازي للعلاقات الدّولية، وهو ما يجعل المجتمع الدّولي يعيش حالة من الفوضى المقنّعة بالقانون، لأنّ القانون الدّولي يعزز سياسة التّفوّق لأنه خاضع ومرتهن للسيطرة وتالياً غياب كامل للعدالة الدولية.
يتعذر تحقيق المثل الأعلى لمفهوم القانون نفسه تاريخياً إلاّ بإعادة طرح السؤال الوجودي، فالدولة اليوم هي حصيلة تركيب كل هذه الشروط الداخلية والخارجية، فهي مرتهنة تماماً كالمجتمع، وخلال هذا التعقيد يتلاشى سؤال الوجود وحده الذي ينتج انبثاق الروح ووحده أيضاً ينتج الحرية والمسؤولية بالمعنى المتعالي، وهكذا تستمرّ وضعية القطيع البشري وانحدار المعنى وتراجع المعرفة وكل ما من شأنه العمل على انحطاط الوجود، ويصبح أثر ذلك ممتداً ومتجلّياً في كل مدى واتجاه حتى في المجال الجيوبوليتيكي.
غير أنّ فكرة القطيع لم تعد اليوم حكراً على تلك الشريحة التي تشكل العموم، بل تشكلت عبر التاريخ الحديث والمعاصر ظاهرة «نخبة القطيع» إن صحّ الوصف، شريحة تنتمي لقبيلة المثقفين الذين باتوا أكثر وفرة نظراً للإنتاجية العلمية المتطورة والأنماط التعليمية الاستنساخية، حين أصبح العلم حرفة وليس إثارة للعقل وتفجيراً لملكة الاجتهاد. لسنا أمام حالة قطيعية من العوام فحسب – فهذا تحصيل حاصل – بل حالة قطيعية تشكلها نخب هي في القطيع لا تتميّز سوى برونقها وعلفها، تماماً كتميّز «الصّردي» عن عموم القطيع من الخرفان، ولكن لا أحد قال إنّ تفوّق «الصّردي» هو بشكله فقط، بينما الجوهر الخروفي يظلّ هو، فلا أحد من القطيع «أخرف» من الآخر.
لنتحدث عن مرتبة أخرى من القطيعية، وهي تلك التي تقع في الغواية الميتافيزيقية بشروطها المتدانية: ما قبل السؤال الوجودي، سأسمّيه «القطيع المتحاذق» بعلف العلم أو القطيع المُتمفزق الذي لا يزيد على القطيع العامّي إلاّ بالحذاقة السكولائية واستعمال المفهوم المشترك كاستعمال الطريق المشترك بين أشكال من السيارات المتفاوتة في الجودة، وذلك لغايات تحت- أنطولوجية، أي لغاية الشّره الفردي والشهوانية المتدفّقة والتمكين المشبوه، فالقلق الأنطولوجي لا ينطلق من غريزة الشّره والتخمة بل من سؤال يقتضي قدراً من الزّهد وتسامي الرّغبة، وتبدو فكرة المصالح هنا نقيضاً للسؤال الأنطولوجي بوصفه سؤالاً يتعالى بطبيعته على الحرص والجري الانتهازي، فالقلق الوجودي مفتاح لبلوغ الحرية الأسمى والمسؤولية الثقيلة وليس سؤالاً ينطلق من المكر والثّأر السطحي.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed