بين البطرِ والجَزَع تضادُّ في المعنى وتوافقٌ من حيث كونهما أمرين سلبيين لا يجبُ لرجلٍ متوازنٍ عاقل أن يكونا فيه ، والرجل الحكيم لا تُجزعهُ الحادثات ، ولا تبطره النعميات ،، ولذلك فإنَّ التوكّل على الله يكون نافعاً لذوي العقول والبصائر، ولذلك يُقال : اعقلها وتوكّل،، على رأي صالح بن جناح :

فليس لنا غيرَ التوكُّلِ عصمةً          على ربِّنا ، إنَّ التوكُّلَ نافعُ

وأما التوكّل فيجلب لصاحبه الراحة ، فلا يجزع بعد علمه بجود وفضل المتوكَّل عليه ، وحُسن ظنّه بكرمه ، يقول يحيى بنُ زياد :
لا تجزعنَّ متى اتَّكلت على الذي           مازال مبتدئاً يجودُ ويفضلُ

ولقد يريحُ أخو التوكُّلِ نفسَهُ                 إنَّ المُريح لعمرك المتوكَّلُ

ويدعو مسعود سماحة إلى عدم ترك الأمور في أيدي الآخرين  والاتكال عليهم ، فلا ينجز ما يهمّك إلّا أنت ، وكأنه أراد أن يقول ،لا يحكّ جلدك إلّا ظفرُك  :

ألا انظرْ في أمورك لا تكِلْها         لهذا من صحابك أو لذاكا

وخلِّ أمورَ غيرِك في يديهِ          فعندكَ من أمورك ما كفاكا

ويجد مالك بن عويمر التغلبي الخير كلَّه للمتوكلين ، فمن تحرّز بالتوكُّلِ الصادق الواعي لم يخطئ طريق النجاة  ، يقول :

توكّلْنا على الرحمن إنّا             وجدنا الخيرَ للمتوكِّلينا

ومن لبسَ التوكُّلَ لاتجدْهُ           يخافُ جرائرَ المتجبِّرينا

ويرى منصور بن محمد الكريزي الشاعر أنَّ الإنسان قد يأتيه الهلاك من حيث ما يأمن ، وقد ينجو من حيث ما كان يحذر ويخاف ، ولعلّه بهذا يقاربُ المثلَ الشهير  ( من مأمنِهِ يؤتى الحذِرُ) ، يقول :

توكَّلْ على الرحمن في كُلِّ حاجةٍ              أردتَ ، فإنَّ الله يقضي ويقدِرُ

متى ما يردْ ذو العرشِ أمراً بعبدِهِ                يصبْهُ ، وما للعبدِ ما يتخيَّرُ

وقد يهلكُ الإنسانُ من وجهِ أمنِهِ              وينجو ـ بإذن الله ـ من حيثُ يحذرُ

وأحبُّ أن أختم بما روي عن أسياد أهلِ الحكمة والتدبير :

( من تركَ تدبيرَهُ لتدبيرِنا أرحناه ) .

 

طباعة
عدد القراءات: 85