ثمة ارتباك في خاتمة العرض المسرحي “عطسة” عن قصص لأنطون تشيخوف، إخراج زين العابدين طيار، الذي أنتجته مديرية المسارح والموسيقا لصالح المسرح القومي بحمص والذي عرض يوم أمس على مسرح دار الثقافة ضمن فعاليات المهرجان الثقافي الفني لمجلس المدينة! هذا الارتباك في الخاتمة لا يعني أن العرض وقبله الإعداد عن ثلاث قصص لم يشر إليها دليل العرض وهي ( وفاة موظف، مع سبق الإصرار، الصول بريشيبييف) لم يكن موفقاً على الصعيدين الدرامي والكوميدي، والأدائي من قبل الممثلين (سليمان الوقاف/ المفتش، أحمد درويش/ الصول، يارا الرضوان/ الزوجة، كرم الصيني/ الموظف، فاخر أبو زهير/ الصياد)، بل كان ممتازاً فجاء العرض متماسكاً ورشيقاً وكوميدياً جميلاً وشائقاً، مستخدماً مجسمات لأحجار طاولة النرد، بأحجام متفاوتة، يضعها وفق ما يريد، فشاهدنا حيوية عالية في الأداء للممثلين الذين جسدوا أبعاد شخصياتهم بكل تفاصيلها خلال العرض الذي أضاء خلفية خمس شخصيات من شرائح وأعمال مختلفة فالموظف وزوجته والصياد من شريحة واحدة بسيطة، وحتى المفتش، هم جميعاً تحت سطوة ما يمثله ” الصول ” من رمزية، رغم تقاعده كشخص.

وهذا ” الصول” الذي تنفر منه كان هو الخيط الدرامي الرابط بين أحداث القصص الثلاث المتجسدة في ثمان مشاهد، والذي  يلاحق شخصيات العرض منذ المشهد الأول والذين خرجوا من أحجار النرد لئلا يعطسون مجدداً، كنا نصغي لصوتي الرعد والمطر، ولنشاهد فيما بعد عطسة ذلك الموظف على رأس ورقبة المفتش، عندما كان جالساً خلفه يتابع حفلاً في دار الأوبرا، ومحاولاته الفاشلة للاعتذار وعدم قبول المفتش لها. فتحرضه الزوجة، على تقديم هدية واعتذار شفوي وعندما لا يكترث المفتش، تقترح عليه (تدبيج) – وفق كلمتها- قصيدة اعتذار، لكنها أيضاً لم تنفع مع المفتش.

فيمضي العرض الذي أضاف على الحامل الفكري لتلك القصص مسألة سقوط المطر بما يسبقه من رعد عقب كل عطسة، يمضي بتكرار هذه اللازمة للتأكيد عليها عقب كل عطسة، ولنشاهد المحاولات الحثيثة من قبل ” الصول ” لفرض هيمنته بمحاسبة المفتش الذي لم يحاسب الموظف على فعلته، وعندما لا يقتنع المفتش بما يقوله، كان يقرأ عليه ما قام بمخالفته ليشكّل تدخله مفارقات ويأخذ حضوره فاعلية في دفع الأحداث ومنها اعتقاله للصياد الذي يفك “عزقات” سكك القطارات، لاستخدامها كثقالات لصنارة صيد السمك.

تلك المحاولات تؤكد أن شخصية ” الصول ” كعلامة دلالية تقول هي من تضبط أنفاس الجميع وأفعالهم، ولذلك نرى في العرض مشهداً، وهو من المفترض أن يكون المشهد الختامي، يقف خلف بقية الشخصيات وعلى منبرٍ وعلى صدره صورة “لوغو” الجوكر لورق اللعب، وعلى صدر بقية الشخصيات ” لوغو” الكبّة والديناري والبستوني والزهر: على التسلسل الآتي: الموظف، الزوجة، المفتش، الصياد. وقد ربطهم جميعاً بسلسلة حديدية، وكلما رفع ورقة تشير للوغو معين تسقط الشخصية التي تمثله، بمعنى أنه أعدم الجميع، والذين لم يستسلموا بل عطسوا قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة فيسقط المطر، هذه العلامة الدلالية المحملة بالخير.

لكن المخرج يضيف خاتمة ثانية غير موفقة تتجسد بمشهد آخر يأمر به الصول كل الشخصيات بالدخول إلى أحد أحجار النرد وهنا بما يمثله كصندوق خشبي ومن ثم يدخل هو، فأفسد الخاتمة السابقة التي تحمل غنىّ دلالياً. فمهما حاولنا تحليلها دلالياً لن نصل لشيء فأفسدت علينا المتعة التي تحصلنا عليها من الأداء الجميل لفريق التمثيل وحركتهم على خشبة المسرح المترافقة مع إضاءة خدمت الحالات الشعورية التي مرت بها الشخصيات التي أُعد لها أزياء تناسبها وتناسب البيئة الأصلية للشخصيات، مع اختيارات موسيقية كلاسيكية ساهمت في التصاعد الدرامي لمشاهد العرض، والذي أشرف عليه فنياً المخرج سامر أبو ليلى.

طباعة
عدد القراءات: 2069