ما دمنا اليوم في سورية نحاول التخلص في خطابنا السياسي والتنموي مما يسمى السرد الإنشائي والشعاراتي وتكرار المرجعية الإيديولوجية في شرح أي عمل حتى لو كان بسيطاً، فإن هذه الحادثة الحقيقية تفيدنا:
كان نيكيتا خروتشوف رجلاً عملياً ولا يحب تكرار الشعارات الديماغوجية في الخطاب السياسي… حكم خروتشوف الحزب والحكومة السوفييتية بعد ستالين بداية الخمسينيات حتى منتصف الستينيات.
اشتهر بتقريره اللاذع ضد الستالينية الذي قدمه لمؤتمر الحزب الشيوعي السوفييتي العشرين عام 1956، كما اشتهر بسلوكه التلقائي في المؤتمرات الدولية، إذ خلع حذاءه وضرب به الطاولة في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، محتجاً على كلام الرئيس كيندي الذي كان معتلياً المنصة متحدثاً عن الأزمة الكوبية بداية الستينيات.
في إحدى زياراته لسوفخوز زراعي (وهو ملكية زراعية للدولة يعمل فيها الفلاحون) نظمت له إدارة السوفخوز اجتماعاً يليق بقائد الاتحاد السوفييتي وصحبه القادمين من العاصمة.
اعتلى مدير السوفخوز منبر الاجتماع وفي يده عشرات الأوراق التي تتضمن خطاباً طناناً رناناً. بدأ الخطاب بالحديث عن ماركس وأنجلز ولينين وأفكارهم العظيمة، وأطال في التغني بهذه الأفكار من دون أن يلاحظ العرق الذي تصبب على وجه خروتشوف غضباً من هذا «العلّاك الكبير» وخطابه الممل!…
فجأة قاطعه خروتشوف بصوت مرتفع: «يا رفيق.. يا رفيق دع ماركس ولينين نائمين في قبريهما بسلام وقل لنا ما مشكلات الزراعة عندك؟ كم رطلاً من الحليب تنتج البقرة يومياً؟ كم طناً من الذرة يعطي الفدان؟ ما مشكلات تطوير العمل لديكم؟»..
استجاب «المسكين» وبدأ يتحدث بما هو مفيد فعلاً!..
ليتنا، ونحن نحضر مخاض ولادة سورية الجديدة، نتحدث بما هو مفيد فقط، متجنبين الاجتماعات الطويلة والخطابات المنفرة وشرح ما هو معروف ثم إعادة شرحه مرات ومرات!.
mahdidakhlala@gmail.com

طباعة

عدد القراءات: 2598