مرةً أخرى.. عادت أوروبا أدراجها، مُنصتةً مُطيعةً، بعد طول «جلبة» أثارتها عالياً خلال العامين الماضيين لمواجهة ما تسميه التجبّر الترامبي، حتى كاد العالم يعتقد أن العلاقات الأوروبية الأميركية وصلت خواتيمها التعيسة وأن الفراق واقع لا محالة.. لكن الجلبة هدأت، والاحتشاد الذي كان يتعمده «الزعماء» الأوروبيون في القمم والمؤتمرات انتهى.
أوروبا- ونقصد هنا دول الاتحاد الأوروبي- تبدو حالياً أكثر انشغالاً بقضاياها خصوصاً «بريكست».. بينما الإدارة الأميركية تبدو في مرحلة استراحة قبل موجة توتير دولي جديدة ستكون أوسع وأخطر شهراً بعد شهر مع اشتداد الحملات الانتخابية للرئاسة الأميركية العام المقبل، إذ لن يوفر ترامب وسيلة إلا ويستخدمها لكسب الانتخابات، وأوروبا بالنسبة له ورقة انتخابية كغيرها من القضايا الإقليمية والدولية.
وبعبارة أدق، أوروبا تحولت مع ترامب من «تابع» إلى «أزمة»..ترامب تعمّد ذلك وفق نهج بدأ منذ أيامه الرئاسية الأولى مطلع عام 2017.. أزمة يديرها ويستغلها في الداخل الأميركي، ودولياً، وضد الأوروبيين أنفسهم، وعلى مبدأ المتاجرة تماماً، كل شيء قابل للبيع والشراء، للمساومة والابتزاز، لا صديق هنا ولا حليف، الجميع سواسية.
حتى الآن، ترامب رابح.. وهذا طبيعي ومنطقي في ظل عقود طويلة من التبعية الأوروبية للولايات المتحدة.. ترامب يستثمر في هذه التبعية، ويربح بفضلها، وبفضل معادلات دولية تخدمه في هذه المرحلة، أي بفضل أوراق ربح قائمة بالأساس، وليس بفضل أوراق هو مَنْ أوجدها.
في كل الأحوال، توافرت لأوروبا أكثر من فرصة لإنهاء هذه التبعية أو الحدّ منها أو تأطيرها على قدم المساواة، لكنها كانت في كل مرة تتراجع في اللحظة الأخيرة، وفي بعض مرات كانت الظروف تقف حجر عثرة.. وهذا بالمجمل يصبّ في قدرة الولايات المتحدة- في كل مرة- على ترهيب أوروبا وإجبارها على الاستدارة إلى «بيت الطاعة».
مع ذلك، لم تكفّ أوروبا كاتحاد عن إثارة قضية «الاستقلال» أو الانفصال أو التحرر أو التملص- أياً تكن التسمية- من التبعية الأميركية.. واتسعت هذه القضية على نحو غير مسبوق في ظل رئاسة ترامب ونهجه المُوغل في تحقير الأوروبيين ومعايرتهم بأنهم لولا حماية الولايات المتحدة لما قامت لهم قائمة بعد الحرب العالمية الثانية.. ولكانوا اليوم يتحدثون الألمانية في إشارة منه إلى ألمانيا الهتلرية وغزوها أوروبا طولاً وعرضاً.

من هذه الحرب، بدأت الهيمنة الأميركية على أوروبا.. إذ كانت البوابة الأوسع التي سمحت للولايات المتحدة بنشر مئات آلاف الجنود على الأراضي الأوروبية، وبصفة احتلال- رسمي وقانوني (في ألمانيا خصوصاً وفق قانون الاحتلال الموقع عام 1949) واستمر الحال سنوات، وتحديداً حتى بدأ «مشروع مارشال» الأميركي يؤتي ثماره، عندها اعتمدت الولايات المتحدة على نوعين من الانتشار العسكري في أوروبا: الأول استمر احتلالاً وتركز في ألمانيا حصراً.
النوع الثاني من الانتشار العسكري الأميركي كان بذريعة «حماية» أوروبا من ألمانيا نفسها، ومن الاتحاد السوفييتي الذي صعد مع الولايات المتحدة كقطب عالمي.. وفي النيات المُبيتة كان هدف الولايات المتحدة الهيمنة على أوروبا أمنياً وعسكرياً..(ثم اقتصادياً عبر مشروع مارشال) ولحماية أميركا نفسها من ألمانيا فلا تعود قوة عسكرية غازية ضاربة.. وأيضاً من الاتحاد السوفييتي فلا يصل مداه إلى أراضيها أو إلى جوارها القريب أو إلى عمقها الاستراتيجي في أوروبا، ولأجل ذلك أنشأت حلف شمال الأطلسي «ناتو» ليكون «السدّ» المانع الحامي.
بعد انتهاء الحرب الباردة في تسعينيات القرن الماضي (والتركيز الأميركي عسكرياً على الشرق الأوسط) تغير واقع الانتشار العسكري الأميركي في أوروبا، لناحية تخفيض عدد القوات والقواعد، وليس لناحية الأهداف (واستمرت ألمانيا محوراً لهذا الانتشار بخمس قواعد كبرى وبـ 50 ألفاً من الجنود الأميركيين، ومقراً للقيادة المركزية للقوات الأميركية المنتشرة في أوروبا-EUCOM».
هذا الحال، شهد ما يشبه الانقلاب مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، فحتى عام 2017 لم تكن لدى الأوروبيين مشكلة مع ذلك الانتشار العسكري، ولم يعطوا كثير اهتمام لمسألة أنه رمز للهيمنة الأميركية عليهم.. لطالما كان هذا الانتشار يتكامل مع الأهداف العدوانية الأميركية ويسمح للولايات المتحدة بشنّ اعتداءاتها على الدول .. ولطالما شاركت أوروبا في كل الحروب الأميركية.
70 عاماً إلى الوراء
مع ترامب، بدا وكأن الأوروبيين عادوا سبعين سنة إلى الوراء.. ترامب أعادهم بعنف وبأشد التعابير فجاجة إلى كونهم مجرد «محميات» أميركية وعليهم أن يدفعوا لقاء ذلك، إضافة إلى أن ترامب حولهم إلى ضحية في كل حروبه التجارية.. أكثر من ذلك هو أنه تجاهلهم كلياً وصنفهم أقل من «ضحية».. صنفهم كـ «أضرار جانبية» لابد منها.. وأن عليهم تقبل ذلك بطيب خاطر.. «هذا واجب عليهم كمحميات أميركية».
وكمحميات، فإن بقاء أوروبا كاتحاد لم يعد يخدم الأهداف الأميركية.. اليوم لابد من تفريق ما جمعته الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، ليس سياسياً فقط عبر «بريكست» وأخواته، بل عبر إعادة ترتيب خريطة الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، والتهديد المتواصل من قبل ترامب بسحب القوات، وتحديداً من الدول التي ترفض الدفع.. ومن ردود فعل الأوروبيين، يكاد المرء يعتقد أن أوروبا ستنهار إذا ما نفذ ترامب تهديداته (علماً أنهم كانوا حتى الأمس القريب يعملون على مسألة تأسيس جيش أوروبي موحد بهدف تحقيق الاستقلال الأمني والدفاعي عن الولايات المتحدة).
هل هذا فعلاً هو حال أوروبا والأوروبيين.. إذا كان كذلك، فإن تهديدات ترامب مفهومة، وإذا لم يكن حالهم كذلك فماذا هم فاعلون؟
قبل الإجابة، نسأل أيضاً جملة أسئلة تبدو بدهيةً في كل مرة تثار هذه المسألة علناً.
أولاً، القوات الأميركية في أوروبا، أكثر ضرورة لأي طرف؟
في البدء، كان الاتحاد السوفييتي هو الذريعة والهدف، ثم ورثته روسيا، ثم.. من؟
مَنْ يهدد أوروبا أكثر؟
اليوم، في ظل عالم يتجدد ويتطور ويتغير فيه شكل ومضمون الهيمنة يبدو مستغرباً- بل من الغباء- أن تعتقد الولايات المتحدة أن قواعدها العسكرية في أوروبا (وغيرها) ستؤمن لها دوام الهيمنة، والدليل أن الولايات المتحدة نفسها تعد أن الصين هي العدو الأول وليس روسيا.. وعليه، فإن «التهديد الروسي» المزعوم أميركياً على أوروبا، انتفى، وانتفت معه مسألة أن تواصل أميركا تقديم نفسها «بوليصة تأمين» لحياة الاتحاد الأوروبي.
الصعود الصيني لا يقوم على العسكرة والولايات المتحدة لا تستطيع تقديم الصين كتهديد عسكري لأوروبا ولا تستطيع إقناع الأوروبيين بذلك. صعود الصين «المدني» إذا جاز لنا التعبير أحدث انقلاباً جذرياً لا رادَّ له في أسس ومفاهيم لطالما كانت سائدة، ما أجبر الولايات المتحدة على تغيير الاستراتيجيات تجاه الصين بدلاً من روسيا، بينما عينها لا تغفل أبداً عن الهند وإيران اللتين انضمتا إلى روسيا والصين لتشكيل عالم متعدد الأقطاب.. مع ذلك، لم يتوقع أحد أن تتبنى الولايات المتحدة سياسة «التنافس السلبي» الذي يضع الجميع، خصوماً وحلفاء، في سلة تدميرية واحدة، على قاعدة «ما دام الآخرون أمواتاً.. إذاً أنا حيّ» هذا ما حدث ويحدث، والأوروبيون أول الضحايا.
ثانياً، عطفاً.. يبدو أن الفائدة أميركية أكثر منها أوروبية، لكن الولايات المتحدة عمدت باكراً إلى اللعب على هذه المسألة وعلى غفلة من الأوروبيين الغارقين في أزمات اتحادهم الداخلية والبينية، من دون مقدرة على حلّ أي منها، وبعضها استفحل واتسع واستدعى «تدخلاً خارجياً» بعيداً عن الولايات المتحدة وهذا ما لم يعجبها..و«التدخل» هنا بمعنى التعاون أو حلحلة العلاقات مع الخارج خصوصاً مع روسيا، ما ضاعف الغضب الأميركي على الأوروبيين الذي أطلق عنانه ترامب قولاً وفعلاً.
مَنْ يحتاج الآخر أكثر؟
ثالثاً، لماذا تحتاج أوروبا اليوم إلى قوات أميركية على أراضيها؟.. في الماضي عندما خرجت منهارة من الحرب العالمية الثانية لم يكن لديها من خيارات سوى التبعية لأميركا، ولطالما اعترف الأوروبيون أنفسهم بهذه التبعية وبأن «الناتو»- الذي يُفترض أنه جمعهم مع الأميركيين على قدم المساواة في القضايا الأمنية والدفاعية- لم يكن سوى هيمنة أميركية مطلقة، وهذا هو الهدف الأساس منذ البداية وحتى اليوم.. لكن اليوم تغيّر العالم أمنياً ودفاعياً.. تغيّر حتى على مستوى التهديدات القائمة والمحتملة، وباتت أوروبا بعيدة عن الحروب فيما بينها من جهة، وعن التهديدات العسكرية الخارجية من جهة ثانية.. وعليه، فإن الخبراء ينصحون الأوروبيين بأن يكونوا أكثر أوروبيةً، عندها ستنتفي التبعية، وتالياً الحاجة إلى وجود قوات وقواعد أميركية على أراضيهم.
رابعاً، لماذا تحتاج الولايات المتحدة إلى وجود قوات لها في أوروبا؟
إذا كان ترامب لا يكفّ عن التذمر من النفقات التي يستدعيها الوجود العسكري الأميركي في أوروبا.. وإذا كان يُعاير الأوروبيين دائماً بأن أميركا تنفق للدفاع عنهم أكثر مما ينفقون هم للدفاع عن أنفسهم.. وإذا كان يتهم الأوروبيين بخيانة أميركا لما يبدونه من ميل للتعاون مع «خصومها».. وإذا كان الأوروبيون لا يؤدون المطلوب منهم ضمن الأجندات الأميركية ضد الدول.. إذا كان هذا هو الموقف الأميركي من الأوروبيين فلماذا لا تعاقبهم واشنطن وتسحب جنودها وتغلق قواعدها.. ترامب في الأساس هدد أكثر من مرة بسحب الجنود (وبالانسحاب من الناتو) لكن ترامب لن يفعلها.. ترامب فقط يهدد ويصعّد ويخوّف وصولاً إلى وضع الأوروبيين في حالة توتر و«رهاب» من أن يخرجوا من العباءة الأميركية.
الخوف من التحرر!
خامساً، هل حقاً إن الأوروبيين يخشون «غزواً روسياً» بالطرق التقليدية، أيّ العسكرية؟..هذا غباء مطبق، هل يمكن الاعتقاد ولو بنسبة واحد في المئة أن روسيا يمكن أن تفكر في ذلك..حتى نسبة الواحد في المئة هي غباء مطبق.. هل تحتاج روسيا أصلاً إلى ذلك ومع أوروبا تحديداً؟.. إذا ما أرادت روسيا اليوم استقطاب أوروبا، فلديها الكثير من أوراق القوة التي لاعلاقة لها بالعسكرة، ومن بين هذه الأوراق السياسة الترامبية نفسها تجاه الأوروبيين الذين يجدون مع روسيا معاملة وفق مبادئ المساواة والاحترام المتبادل وليس وفق معايير ترامب المُهينة والمُذلة لهم.
سادساً، الأغرب.. لماذا يتمسك الأوروبيون ببقاء القوات الأميركية، حتى إنهم لا يترددون في إعلان ذلك برغم الغضب الكبير الذي يبدونه من سياسات ترامب.. ورغم إعلان أكثر من «زعيم» أوروبي أنه يجب على أوروبا التفكير في حماية نفسها بعيداً عن الولايات المتحدة، بل من الولايات المتحدة نفسها..هذا تناقض غريب وعجيب نكاد لا نتلمس إجابة واضحة له أو تفسيراً سوى عجز الأوروبيين أو بالأحرى رعبهم من فكرة «التحرر» من أميركا؟!
من هنا، نعود إلى السؤال السابق ذكره: هل يعتقد الأوروبيون فعلاً أن بلدانهم ستنهار إذا ما سحب ترامب الجنود الأميركيين من أوروبا، وماذا هم فاعلون مع استمرار ابتزاز ترامب لهم؟
ما في اليد حِيلة؟!
قبل عام من الآن، عندما جددت فرنسا الحديث الأوروبي عن جيش موحد، انكشفت بصورة فاقعة حقيقة المشهد الأوروبي وكوارثه التي تجعل من المستحيل إنشاء مثل هذا الجيش، هذا إضافة إلى أن أوروبا كاتحاد لن تعمّر طويلاً، فالانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي هو البداية فقط.. وهناك فريق من المراقبين بدأ فعلاً مرحلة «عد عكسي» لما تبقى من عمر أوروبا كاتحاد.
وعليه: – إذا ما سقط الأوروبيون كاتحاد سياسي، كيف لهم أن يكونوا متوحّدين عسكرياً، ومستقلين عن الولايات المتحدة؟..هذا أولاً.
– الأوروبيون أنفسهم غير متفقين على مسألة إنهاء التبعية لأميركا، بعضهم يعارض ذلك بشدة، وهؤلاء لهم وزنهم وقرارهم المؤثر.. هذا ثانياً.
– منذ تجدد الحديث عن جيش أوروبي موحد، بدأت التقارير تنتشر بشأن الوضع المُزري والمُخزي لمجمل الجيوش الأوروبية، من حيث التسليح والتجنيد والتدريب.. وإن كنا لا نجزم أن هذه التقارير صحيحة أو مدسوسة فإن أياً من القيادات الأوروبية لم تعلق عليها: لا نفياً ولا توضيحاً..هذا ثالثاً.
وعليه، فإن كل تلك الأحاديث الأوروبية عن الاستقلال عن أميركا، أمنياً ودفاعياً، ليست سوى تبجح وكلام في الفراغ من الأوروبيين الذين باتوا غارقين في عقد النقص تجاه جميع العالم، وليس تجاه الأميركيين فقط.

طباعة

عدد القراءات: 1385