لا يختلف اثنان من المحللين السياسيين على أن أخطر ما أفرزته الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي هو تحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى دولة إمبريالية عظمى، وإمبراطورية عسكرية أولى على حساب إمبراطوريات استعمارية قديمة تصارعت فيما بينها وخاضت حرباً مدمرة، كانت نتيجتها الهزيمة الساحقة لبعض هذه الإمبراطوريات إضافة إلى الدمار الشامل لبنيتها الاقتصادية والعمرانية والمجتمعية، أما البعض الآخر، فقد خرج من الحرب بقدر من الضعف أشبه بالهزيمة ما دفعه إلى الارتماء في أحضان القوى العظمى أو السير خلفها أو الاحتماء بها خوفاً من عدو افتراضي محتمل كان هدفه تغيير النظام الاحتكاري القديم واستبداله بنظام اشتراكي تسوده العدالة الاجتماعية والمساواة بين طبقات الشعب كلها من حيث تقاسم الثروة والسلطة.
في هذه الأثناء، برز الدور العسكري الكبير للولايات المتحدة التي شاركت في الحرب العالمية الثانية في لحظة أنهك فيها جميع الأفرقاء لتجني نصراً كبيراً بأقل الخسائر العسكرية وباقتصاد سليم ومعافى ومزدهر وضعها في موضع «المنقذ والمساعد» على النهوض والتقدم والتطور.
من هذا المنطلق ظهر مفهوم الهيمنة الأمريكية، وإحدى أهم وسائل الهيمنة في تلك المرحلة إقامة القواعد العسكرية على أراضي الحلفاء بذريعة «حمايتهم من الخطر الشيوعي» الذي كان يشكله الاتحاد السوفييتي، وعلى أراضي بعض الخصوم أو الأعداء السابقين بذريعة منعهم من محاولة عدوان لاحقة.
في ظل العسكرة التي سادت فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي كانت القواعد العسكرية الأمريكية تتطور وتزداد عدداً وعتاداً على الأراضي الأوروبية بذريعة درء الأخطار المَتَصَورة عن أوروبا، لكن مع الزمن أصبحت هذه القواعد بمنزلة وسيلة ضغط كبيرة على البلدان التي انتشرت على أراضيها، ولاسيما ألمانيا التي خسرت الحرب حتى وصلت في مرحلة من المراحل إلى أكثر من سبع عشرة قاعدة ونقطة انتشار، كما أصبحت بمنزلة وسيلة للابتزاز المالي والسياسي، كما يحدث اليوم في ظل الإدارة الأمريكية الحالية حيث يكاد لا يهدأ لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولا يكفّ عن مطالبة الأوروبيين بدفع ثمن «حماية» أمريكا لهم.
والسؤال: مادام «خطر المد الشيوعي» قد زال وتفكك الاتحاد السوفييتي منذ تسعينيات القرن الماضي وما انفكت خليفته روسيا تطالب يوماً بعد يوم بالتعاون والشراكة والمشاركة وبعالم متعدد الأقطاب تختفي فيه مظاهر الهيمنة العسكرية وتحل محلها مظاهر التعاون الاقتصادي وحلّ الأزمات بالطرق الدبلوماسية، إذاً ما الجدوى من استمرار وجود القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا؟
الجواب على ذلك بعيد كل البعد عن الادعاءات والأكاذيب الأمريكية «بتوفير الحماية» للبلدان الأوروبية، والعكس هو الصحيح، فالهدف تثبيت وترسيخ الهيمنة الأمريكية على أوروبا فحسب وفي الوقت نفسه جعلها منطلقاً للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية، وهذا ما أثبتته كل الحروب التي شنتها الولايات المتحدة على المنطقة إذ انطلقت معظم طائراتها من قواعدها في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.
أما الهدف الآخر، فهو جرّ أوروبا وعلى نحو دائم للمشاركة في كل المغامرات والاعتداءات الأمريكية على الكثير من دول العالم، وما دعوة ترامب الأخيرة إلى تشكيل تحالف دولي بذريعة «حماية الملاحة» في مياه الخليج إلا أحد أشكال تلك المحاولات.
فهل تنجح أوروبا في التخلص من هذه الهيمنة الأمريكية خلال الفترة القريبة القادمة أم إن الدعوات الأوروبية التي تنطلق بين الحين والآخر للاعتماد على الذات لم تجد الصدى المطلوب بعد؟..

طباعة

عدد القراءات: 231