كثرت هموم عامة الناس بسبب ضنك العيش، وتقطّعت سبل تدبر فاتورة متطلبات الحياة الباهظة، في ظل غلاء فاحش ومنفلت تحفزه عقوبات باهتة، ورقابة هشة تُشعر المتابع وكأنها شريكة مع حيتان السوق.
ما يحدث لنا ولغيرنا من ذوي الدخل المحدود، جعل منا مشاريع جلطات وجنون، لعدم المقدرة على تحمل واستيعاب المزيد من ضغوطات الحياة، إذ إن القلوب طفحت بالهموم إلى حدّ باتت «خثرة غم» عابرة كفيلة بجعلها تتوقف عن الخفقان، كما إن العقول غصت بالمشكلات إلى حد أصبحت قابلة للجنون مع مسها بأبسط معاناة.
الحديث عن أشخاص يمشون في الطرقات وهم يحدثون أنفسهم كان نادراً جداً في سنوات ما قبل الحرب، ولا يحدث إلا عند قلة ممن لديهم أذية دماغية، أما في أيامنا هذه، فأصبح معظم الناس -من قسوة الظروف- يمشون وهم يحدثون أنفسهم، ولم يعد أي منهم يشعر بالحرج، لأن هذه الحالة باتت بمنزلة مسطرة يقاس بها على الأغلبية، وحتى أكثر من ذلك، إذ تجد من يخرج لأداء عمل ما وقد نسي بعد برهة من الزمن مبتغاه، فيعود أدراجه أو يجهد بتحريض الذاكرة ليسترجع تسلسل يومه كاملاً ويستدرك ما كان تهيأ لفعله!
توصيف الحالة التي نعيشها تعجز عنها كل العبارات.. فإيجار البيت لا يجاريه أي راتب، ومستلزمات المدارس والمونة ومازوت التدفئة وغيرها في خضم ظروف معيشية صعبة واستغلال فج من تجار السوق تحتاج «علي بابا والأربعين ….!» حتى يقوموا بأعبائها.
منذ فترة قريبة قال لي صديق: أتخمتنا كثرة الأخبار السيئة، ولاسيما تلك المتزاحمة على «الفيس»، وزادت من إحباطنا لدرجة لم نعد نستطيع التحمل.. وأضاف والحنق يسكنه: أتمنى منكم كصحفيين أن تكتبوا -ولو من نسج الخيال- أخباراً سارة، لعلها ترفع من منسوب معنوياتنا وتبث فينا ولو بصيص أمل بغد أفضل.
ما أبلغته لصديقي، الذي أدعو الله أن يكفينا وإياه شر الجلطات والجنون، أن منسوب التفاؤل قد يسهم في رفعه العامل النفسي إلى حدٍ ما، لكن تعزيز الأمل الذي نحتاجه فعلاً، لا يكون إلا بإجراءات واقعية ومسؤولة من أصحاب الشأن.. تُحسن من معيشة الناس وتجعلهم يشعرون أنهم غير متروكين وحدهم بمواجهة مصيرهم المشؤوم.. وهنا سألني الصديق: هل هناك من يكترث!

طباعة

عدد القراءات: 498