دمار مهول يشهد على مرور الإرهابيين هناك، يلف الجامع الأموي في حلب والمنطقة القديمة المحيطة به، ما يستلزم دفع أموال طائلة لترميمه وإعادة ما خربه الإرهاب الدولي، والحكومة اليوم طبعاً غير قادرة على تأمينها في ظل وجود أولويات أكثر أهمية وخاصة فيما يتعلق بالشأن المعيشي، لكن نظراً لما يمثله الجامع من قيمة تاريخية وتراثية، قدمت إحدى الدول الصديقة منحة إلى وزارة الأوقاف كانت كفيلة بتغير حال الجامع والبدء بتحريك ورشة عمل تعمل اليوم كخلية نحل لإنجاز عمليات ترميم الجامع وإعادته إلى سابق عهده من دون المساس بأي من معالمه التاريخية والأثرية.
لكن كالعادة هناك دوماً من يتربص بأي فعل يستهدف إعادة إعمار البلاد وتخليصها من ندبات الإرهاب، حيث لم يرق للبعض البدء فعلياً بترميم الجامع، ما جعلهم يطلقون حملة على صفحة التواصل الاجتماعي لتشويه عمليات الترميم مع ترويج جملة من الشائعات والانتقادات للإساءة لعمل الفريق المكلف بإنجاز الترميم، عبر ادعاء عدم الالتزام بالمطابقة الفنية لشكل الجامع قبل الترميم والتلاعب بمواصفاته التراثية عبر وضع أحجار «بلوك» بدل أحجاره التراثية.
ولتوضيح هذا اللبس والوقوف على حقيقة ما يحصل في أروقة الجامع الأموي في حلب المهدم، «تشرين» جالت في أرجاء الجامع ووثقت عمليات الترميم والصيانة، التي تجري على قدم وساق بطرق فنية دقيقة من خلال فريق عمل متخصص من الخبرات الوطنية الصرفة، بغية إنجاز عمليات ترميم الجامع التاريخي وإعادته إلى عزه السابق.
وبغية الاستفسار عن صحة ما يدور حول عمليات الترميم ومعرفة أين وصلت اللجنة المشكلة بمرسوم رئاسي في إنجاز المشروع وخاصة أن بعض الصفحات ادعت أن عمليات الترميم توقفت كلياً، التقت «تشرين» الدكتور صخر علبي- مدير مشروع إعادة ترميم الجامع الأموي في حلب، الذي نفى بداية جملة وتفصيلاً كل ما يشاع عن تغيير بنية الجامع واستخدام أحجار «بيتون» عادية لا تنسجم مع بنية الجامع الفنية، مشيراً إلى أن هناك التزاماً كاملاً بإعادة بناء الجامع إلى شكله القديم التراثي من دون تبديل أو تعديل.
ورفض الدكتور علبي وجود أي مخالفات سابقة وخاصة أن أي عمل ينجز يكون مراقباً من 3 جهات رسمية، حيث «يدقق» فنياً من الشركة العامة للدراسات وتراثياً من مديرية الآثار والمتاحف وأحياناً من المديرية المركزية، إضافة إلى اللجنة الأساسية المشكلة بموجب مرسوم واسمها لجنة إنجاز الجامع، وتتألف من مدير الأوقاف ومدير الآثار ومهندسين من نقابة المهندسين، إضافة إلى اثنين من «دكاترة» جامعة حلب، وجميعهم يملكون خبرات كبيرة في هذا المجال، مشدداً على وجود رقابة صارمة على عمليات الترميم، التي تتم بخبرات وطنية من دون الاستعانة بأي خبرات أجنبية سواء فيما يتعلق بالدراسة أو التنفيذ أو التدقيق.
وتابع قائلاً: لا يوجد أي مخالفة حصلت، والالتباس الذي حصل بخصوص وجود أحجار «بلوك» على بعض جدران الجامع، هو إجراء مؤقت اعتمدته اللجنة لإغلاق أبواب الجامع منعاً لدخول الفضوليين وتجنب السرقات، علماً أن هذا الأمر جرى بموافقة جميع الجهات من دون استثناء، وخاصة عند معرفة أنه عند دخول الجامع أول مرة بعد تحريره من الإرهاب كان حجم الدمار كبيراً، وتالياً عند المباشرة بعمليات الترميم وإحضار المواد ومستلزمات البناء اتخذ قرار إغلاق بعض الأبواب لكيلا يتكرر فعل السرقة، حيث تمت سرقة الرصاص الذي أحضر لترميم قبة الجامع، مشيراً إلى أنه بعد الانتهاء من عمليات الترميم في المكان القريب من الباب المغلق بالقرميد أعيد ترميمه بأحجار فنية وإعادتها إلى حالتها الفنية السابقة، لافتاً إلى أن جزءاً من العمل عند بعض الأبواب المغلقة بالبلوك التي كانت على صلة مباشرة بسوق «النسوان» المتداخل مع الجامع، وكان ذلك يؤثر في عمليات الترميم، لكن اليوم يتم العمل معاً مع أصحاب المحلات بالاتفاق مع المحافظة والبلدية، مع العلم أن الترميم قد يشمل الأوابد القريبة من الجامع حسب الخطة.
نسأل مدير مشروع ترميم الجامع الأموي في حلب، عن المدة الزمنية المتوقعة لإنجاز ترميم الجامع الأموي في حلب، فيؤكد أنه لا توجد مدة زمنية محددة لإنهاء عمليات الترميم لكن من المتوقع إنجاز المهمة بعد عامين تقريباً.
وعن المنجز من ترميم الجامع حتى الآن بيّن الدكتور علبي أن عمليات ترميم الجامع تجري بهمة عالية ضمن الشروط الفنية والتراثية للجامع، علماً أن العمل يجري وفق مشاريع معينة، حيث يتم العمل وفق أقسام معينة ونسب التنفيذ تختلف حسب الكتل، فمثلاً الجزء القبلي كانت معظم الجهود منصبّة عليه وقد أنجز جزء كبير منه بحيث شارف على الانتهاء تقريباً، أما المئذنة فقد تعرضت لدمار كبير وتحديداً في الجزء العلوي، الجزء الأكبر الغني بالزخارف، لذا تم فكه حبة حبة وأعيد بناؤه من جديد مع فحص تدقيق للتربة وجوارها وفق دراسة دقيقة، وحالياً تتم إعادة بناء المئذنة بعد تدقيق أثري وهندسي، مثل أي عمل في الجامع، مشيراً إلى وجود أعمال غير مرئية كإصلاح سطح الجامع الذي طاله أيضاً خراب كبير بحيث لم يسلم أي جزء منه من رصاص الإرهابيين، إضافة إلى تصنيع الخشب المحروق وإعادة شبكة الكهرباء والإنارة وخاصة بعد معرفة أن جميع الكابلات الموجودة قد سحب نحاسها، واليوم اللجنة في طور استيراد أجهزة الإنارة لتركيبها فور الانتهاء من عمليات الترميم، إضافة إلى ترميم صحن الجامع وغيرذلك.
ولم تسلم المنحة المقدمة لترميم الجامع الأموي في حلب من الانتقادات، وهنا يوضح د.علبي حقيقة المنحة وكيفية صرف المبالغ لترميم الجامع، حيث بيّن أن المنحة قدمت إلى وزارة الأوقاف من أجل ترميم الجامع وإعادته إلى شكله السابق وخاصة أنه يشكل قيمة فنية وتاريخية وتراثية، مشيراً إلى أن المنحة لا تقدم كاملة وإنما تصرف على دفعات حسب الأعمال المنجزة، علماً أنه يوجد صندوق خاص بعمليات الترميم في محافظة حلب، فلا يصرف أي مبلغ من دون علم المحافظ ومدير الأوقاف، وعند الحاجة إلى مبالغ جديدة للقيام بأي عمل يخص جامع يتم إبلاغ المعنيين لصرفها، فمثلاً في المرحلة القادمة سيتم استيراد ثريّات للجامع، وبناء عليه يتم إعلام الجهة المانحة من أجل تأمين سعر هذه السلع، التي تحول إلى الصندوق، ثم تصرف المبالغ اللازمة أصولاً، ما يعني أن أي مبلغ لا يصرف اعتباطياً وإنما يخضع لجملة معايير ويكون تحت رقابة صارمة.
وعند جولتنا في أرجاء الجامع المدمر على نحو بالغ نسأله عن الصعوبات التي تواجه العمل وخاصة عند لحظ وجود منتجات مستوردة في أرجائه، فيؤكد وجود صعوبة في تأمين المواد الأولية وخاصة في ظل الحصار المفروض على البلاد، ما يتسبب في صعوبة توفيرها كالرصاص اللازم لكسوة قبب الجامع، إضافة إلى الصعوبة في تأمين بعض أحجار الجامع، التي تتمتع بخصوصية ومواصفات معينة، مشيراً إلى أنه من المعروف أن حلب تمتلك مقالع حجرية لكنها خارج سيطرة الدولة حالياً، كما توجد صعوبة في التعامل مع أنواع الحجار التي قد يبلغ وزنها 600 كيلو بحيث يصعب توفيرها ونحتها، لافتاً إلى أن هذه الصعوبات تخف وطأتها بسبب تعاون جميع الجهات على استيراد المواد اللازمة لعمليات الترميم، مثلاً تعاونت كل الأطراف لتأمين أحدث جهاز لفحص الأحجار.

طباعة

عدد القراءات: 345