بين الأمس واليوم، ارتكز الخطاب «القومي» التركي بزعامة مصطفى كمال أتاتورك على سلسلة أخطاء قياسية ارتكبتها السلطنة العثمانية، لقد تمكن أتاتورك من إعادة منسوب معين من الاحترام الإقليمي والدولي لتركيا بعد ترسيم الحدود التركية مع دول المشرق العربي والأوروبيين، وإبطال مفاعيل معاهدة «سيفر» التي وقعتها الدولة العثمانية، وتحويل تركيا «بقايا الرجل المريض» إلى كتلة أقل حجماً، إنما أكثر تماسكاً وثقلاً في المنطقة.
بين الأمس واليوم، لاتفترض الرواية التركية المطولة اختلافات أكثر تجذراً، فالسير على خطا أتاتورك المؤسس، أصبح معرضاً لاحتمالات متعددة، فقراءة الواقع التركي ماقبل انقلاب ليل 15 تموز توضح ذلك، فالرئيس رجب أردوغان بما يمثل من مؤسسة دينية «إخوانية» في المنطقة وتركيا كان الأقرب إلى أداء دور «السلاطين» في الأيام الأخيرة للرجل المريض.
تراكم الأخطاء
لقد راكم أردوغان حسب رؤية الجيش التركي أربعة أخطاء قياسية، يمكن أن تهدد أسس الدولة التركية وتهيئ الأرضية لانقلابات جذرية، وهذه الأخطاء هي:
1- إعادة إحياء «المشروع» الديني: فقد ظنت المؤسسة العسكرية التركية أنها أبقت هذا العامل قيد السبات القسري لعقود متتالية، ورسخت نوعاً من الديمقراطية المتاحة المنسجمة مع «علمانية» الدولة لكن الصعود غير المسبوق للتيار الإسلامي ممثلاً بحزب «العدالة والتنمية» بقيادة أردوغان، شكل مفاجأة غير متوقعة حيث تمكن أردوغان من صناعة رأي عام مناصر له بعد قيامه بخطوات شعبوية تخطت الاعتبارات القديمة لساسة تركيا، الأمر الذي جعل المجتمع التركي منفتحاً على تقبل عمليات «الأدلجة» التي مارستها الآلة الإعلامية «الإخوانية» لهذا حذر بيان الانقلابيين، أو ذكّر ليلة الانقلاب بهذه الأدلجة للدولة.
2- صناعة الحروب والانخراط فيها: بالرغم من نظرية «تصغير المشكلات» التي طرحها أردوغان، لكن تركيا في عهده، تحولت إلى صانع ومحرك للحروب في المنطقة وفي مقدمتها الحرب على سورية والعراق فالمؤسسة العسكرية التركية تعد أن بنيتها الاستراتيجية تقوم على أساس دورها النهائي في أي صراع كبير محتمل، هو في دورها «الأطلسي» الكامل على جبهة المتوسط وآسيا الوسطى في حال اندلاع حرب مع الاتحاد السوفييتي سابقاً أو روسيا اليوم والصين وإيران لاحقاً على سبيل الاحتمال، وليس في أن يجد الجيش التركي نفسه أمام واحدة من أطول عمليات الاستنفار زمناً، بما تحمله من إرهاق لوجستي ومعنوي، وذلك منذ بداية الحرب على سورية.
3- تهديد وحدة الأراضي التركية: إن هذا التهديد لوحدة تركيا، حسبما ترى المؤسسة العسكرية التركية والتيارات السياسية الملتصقة بها أو القريبة منها، يتمثل بالاستثمار الخاطئ من قبل أردوغان وحزبه للملف الكردي بما فيه من جزئيات محلية وإقليمية، وبمعنى آخر، موقف حزب «العدالة والتنمية» المتذبذب من القضية الكردية وعدم وضوح رؤيته النهائية لها، بمعزل عن طبيعة الملفات الحامية التي تنخرط فيها أنقرة، حيث عقد أردوغان اتفاق سلام مؤقتاً مع الأكراد، ثم انقلب عليه وأشعل حرباً ضدهم في سبيل تعزيز الأوضاع الانتخابية لحزب «العدالة والتنمية» بعدما تعرض لفشل الجولة الأولى التي أجريت العام الماضي، إلى أن تمكن من تعزيز وضعه في الجولة الثانية في شهر تشرين الثاني الماضي أيضاً، مستغلاً في ذلك العزف على الروح القومية المعزّزة بفعل الحرب مع أكراد الداخل.
4- إعادة إنتاج «السلطان» والدولة المركزية: وقد بدا هذا الأمر جلياً منذ العام 2002، مع بدء حديث أوساط حزب «العدالة والتنمية» آنذاك عن ضرورة حصول الحزب على أكثر من 46% من مقاعد البرلمان لتشكيل حكومة من لون واحد، إضافة إلى رغبة الحزب في الحصول على أغلبية تكفل تمرير تعديلات دستورية تعزز من وضعية الرئاسة التركية، وتنقل أنقرة شيئاً فشيئاً إلى أنموذج حكم رئاسي، يمكن من خلاله البدء بعملية إعادة هيكلة شاملة للدولة التركية من الأعلى نزولاً، وبما يضمن إعادة إنتاج أنموذج جديد ضمن تركيا «إخوانية» يمارس فيها أردوغان سلطته بصلاحيات واسعة لكن صعوبات متعددة ومتنوعة منعت عملية تحويل الحزب إلى مؤسسة حاكمة كما يريد. وهكذا اتجه أردوغان في السنوات القليلة الماضية نحو تطبيق أنموذج آخر، يتمثل بالعمل على أن يمرر «زعامته» للسلطنة الجديدة من خلال قالب دستوري متكامل، يكفل له أداء دور «الزعيم الحداثي» في أوروبا، و«السلطان» المقتدر في الداخل و«الزعيم الإسلامي» في المنطقتين العربية والإسلامية!
انطلاقاً من هذه الأخطاء التي ارتكبها أردوغان ومايحيط بها من ملابسات، بدت المؤسسة العسكرية التركية أكثر استعداداً وميلاً لفهم السردية التي مهدت لقيامة «السلطان» وتالياً، قررت العودة كبنية عسكرية وطنية مؤسسة إلى واجهة الحدث من خلال أخذ زمام المبادرة وهكذا بنت القيادة العسكرية التي أعدت للانقلاب قاموسها الخاص الممهد لصناعة بيان الانقلاب.
سردية هشة
على أية حال لايزال الوقت مبكراً لمعرفة الأسباب الحقيقية لفشل الانقلاب، إذ إن هناك تكهنات متعددة حول ذلك منها: غياب التنسيق المطلوب، ومنها تدخل أمريكي لمصلحة أردوغان، وهناك آراء تقول إن الانقلاب من صناعة أردوغان نفسه ليستخدمه وسيلة لتعزيز قبضته على السلطة وإعادة هيكلة الجيش بما يناسبه تحت اسم «التطهير». وهذا كله فتح الباب واسعاً أمام الآلة الإعلامية «الإخوانية» الرسمية لصناعة سردية خاصة بها، تقوم على بناء نظرية «تفوق الجماهير الملتصقة بالسلطان» و«الشعب المنتفض على الانقلاب والشعب في مواجهة الانقلاب» وماتحمله هذه السردية من ضعف وابتعاد عن عناصر القوة، لكنها ستلازم النخبة الحاكمة التركية في الفترة القادمة بكثافة لاستثمارها.. ألم يقل أردوغان «ستكون فرصة لتطهير الجيش»؟
ولكن هذا يعني ضمناً وعلى المدى البعيد تعزيزاً إضافياً للعناصر المحفزة على الانقلاب لا العكس، وخاصة أن خروج جماعة «العدالة والتنمية» إلى الشوارع والساحات، وتحولهم إلى ميليشيات مسلحة في استعراض واضح للقوة سيستفز مشاعر الشعبية التركية، ويدفعها إلى تأييد أي انقلاب مقبل. إضافة إلى ذلك، فإن خروج أردوغان المتكرر بعد محاولة الانقلاب وظهوره على شاشات التلفزة الرسمية التركية وأحاديثه التي تنضح بالحقد على المعارضة، والممارسات بحق المواطنين العسكريين والمدنيين من اعتقالات وتسريح، كل ذلك يشير إلى أن أردوغان أصبح ضعيفاً أمام العالم، ويحاول تعويض فاقد قوته بتعزيز وتكثيف الإجراءات القمعية والتعسفية التي جعلت معظم دول العالم تحتج على ذلك، وتطالب الحكومة التركية باحترام القوانين والدستور.
كما أن محاولات إذلال المؤسسة العسكرية التركية بأساليب متعددة وقذرة ستترك آثارها الكبيرة على حزب «العدالة والتنمية» وخاصة على أردوغان بحد ذاته.

print