يقال: في أزمات الحروب تتغير بعض المفاهيم الاجتماعية، والقيم الثقافية والاقتصادية، وتتغير معها إجراءات السلوك اليومي للمواطن، ونمط التفكير الذي تربى عليه منذ عقود من الزمن، بما يحتوي من مفردات أخلاقية ووطنية، وحتى ثقافة الاجتماع مع الآخر، التي تحض على فعل الخير للجميع، وتقوي روابط العيش المشترك، وتنمّي الغيريّة الوطنية التي يتحلى بها كل مواطن..!
وهذا ما لمسناه، وعشنا بعض تفاصيله خلال أزمة ثمانينات القرن الماضي وتسعينياته، وذلك في أخطر حصار اقتصادي عاشته سورية، عشنا بعضاً منه، وحدثنا الكثيرون عن ويلاته، وسلبياته وانعكاساته السلبية على الوطن والمواطن.!
لكن، في المقابل حدثونا عن قيم بتنا نفقدها في أيامنا هذه، برغم اختلاف الظروف، وثبات أدوات الحصار، وتغير الحاجات، فقد حدثونا عن اللهفة الوطنية، والحس الأخلاقي العالي المشبع بالوطنية، في ظل ظروف كان الهواء فيها محسوباً على السوريين.. حصار لم يشهد التاريخ مثله..!
حصار بيعت فيه المواد الغذائية والحاجات الأساسية للمواطن عبر البطاقة العائلية وقسائم تموينية خاصة وبالعدد، وبأوقات محددة بدءاً من السكر والرز والسمنة والزيت وحتى علبة المحارم وغيرها الكثير..
لكن ما يدعو للفخر والاعتزاز بأهلنا- معشر التجار- في أغلبيتهم لم نسمع أحداً منهم يقرِّش الدولار ويبيع من خلاله، أو حتى يذكر شيئاً عنه (ارتفع أم انخفض) لدرجة أن سيرته كانت معدومة، فالليرة هي الأساس، وغيرها لا، وهي المقياس لكل عملية شراء أو بيع..
وما يحدث اليوم خلافاً لكل ما قلناه، فأغلبية التجار حديثهم عن الدولار وتقريشه في كل عملية شراء أو بيع، وبضائع مكدسة في مستودعاتهم، ويقسمون (بعدم وجودها)، وإن توافرت فهي بأضعاف أضعاف تكلفتها..!
معظم تجارنا ركبوا الأزمة ومفرزاتها السلبية، فقتلوا كل ما هو نبيل، فلا أخلاق إلا بحجم الدولار، ولا عيش مشترك إلا بحجم تقريشه، ولا ثقافة أو قيمة وطنية إلا من خلال سياسة تقريش الدولار..؟!
ما الذي حصل لبعض التجار الآن، فالأزمة مهما كبرت ليست بحجم أزمة ثمانينيات القرن الماضي، فكل شيء متوافر، إلا الأخلاق والوطنية عند أغلبية التجار، لأنهم أقسموا على سياسة التقريش من دون حسيب أو رقيب.
Issa.samy68@gmail.com

طباعة

عدد القراءات: 195