رقم جديد تحطمه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل انتهاء فترة ولايته الأولى وهذه المرة ليست بعدد التغريدات التي ينشرها على “تويتر” بل بعدد الإقالات والاستقالات التي شهدتها إدارته منذ وصوله إلى البيت الأبيض مطلع عام 2017، إذ يعد أول رئيس أمريكي في التاريخ تشهد إدارته هذا العدد الكبير من الاستقالات والإقالات خلال 30 شهراً من رئاسته.

مزاجية ترامب ومواقفه المتقلبة ألقت بظلالها على أروقة البيت الأبيض منذ تسلمه الرئاسة وجعلت عدداً كبيراً من المسؤولين الامريكيين يلوذون بالفرار، فيما واجه مسؤولون آخرون بمن فيهم مستشار الأمن القومي جون بولتون قرار إقالتهم المفاجئ في خطوة تبرز بوضوح حجم الخلافات داخل الإدارة الأمريكية حول كيفية التعامل مع القضايا الداخلية ومع السياسة الخارجية وطريقة التعاطي مع الأزمات الدولية.

سلسلة الإقالات متواصلة في إدارة ترامب مع إعلان الأخير قبل يومين عبر تغريدة على “تويتر” إقالة بولتون ليكون ثالث مستشار أمني يغادر البيت الأبيض منذ عام 2017 ولم تكن هذه الخطوة مستغربة فقد حامت توقعات كثيرة حولها نظراً لوجود اختلافات كبيرة في وجهات النظر لدى الرجلين حول كثير من القضايا وعلى رأسها الملف النووي الايراني والوضع في شبه الجزيرة الكورية.

الخلافات بين ترامب وبولتون ليست جديدة ويبدو أن الرئيس الأمريكي قام بإعادة حساباته قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020 وقرر التخلص من مستشاره الأمني الذي يعد أبرز الصقور والمعروف بهوسه الجنوني بالحروب فهو من أكبر المحرضين على تدخلات عسكرية أمريكية في أنحاء العالم وكان أول المؤيدين لتملص واشنطن من التزاماتها في إطار الاتفاق النووي مع إيران.

الإدارة الأمريكية أصبحت في عهد ترامب أعلى إدارة في عدد استقالات وإقالات مسؤوليها خلال العقود الأربعة الأخيرة بعد إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان في ثمانينيات القرن الماضي وقد سبقت إقالة بولتون استقالات عديدة تساقطت على مكتب ترامب في ظاهرة لم يشهدها البيت الأبيض من قبل.

هذه الاستقالات شملت عدداً مهما من الموظفين المقربين من ترامب ومستشاريه مثل ستيف بانون مهندس حملته الانتخابية وشون سبايسر المتحدث باسم البيت الأبيض ومايكل فلين بعد أقل من شهر على تعيينه مستشاراً أمنياً للرئيس الأمريكي وغيرهم كثيرون أقالهم ترامب بعد انتقادهم له مثل الجنرال جون كيلي الذي كان وزيراً للأمن الداخلي ثم كبيراً لموظفي البيت الأبيض وأجبره ترامب على الاستقالة عام 2018 بسبب كتابه الذي يحمل اسم “الخوف ترامب في البيت الأبيض”.

ولم تهدأ موجة الاستقالات في البيت الأبيض بل تصاعدت مع استقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون ونيكي هايلي مندوبة الولايات المتحدة الدائمة لدى الأمم المتحدة والتي كانت تعد أحد أشرس المدافعين عن آراء ترامب، فيما يتعلق بإيران وكوريا الديمقراطية وكانت الاستقالة الأخرى المثيرة للجدل لوزير الدفاع جيمس ماتيس الذي أشار عند مغادرته الإدارة الأمريكية عام 2018 إلى رفضه سياسات ترامب التي أدت إلى خلافات بين واشنطن وحلفائها في أوروبا وانسحاب الرئيس الأمريكي من اتفاقيات دولية عدة بما فيها الاتفاق النووي الإيراني واتفاقية باريس للمناخ.

ويرى مراقبون أنه على الرغم من أن إقالة داعية الحروب بولتون لاقت استحساناً كبيراً بين الأوساط الامريكية التي ترفض دخول الولايات المتحدة في حملات عسكرية جديدة خارج حدودها، إلا أن أي متابع لقرارات ترامب وتحركاته يستطيع أن يرى بوضوح أن قرار الإقالة لم يكن نابعاً من حرص الأخير على مصلحة الولايات المتحدة بل على مصلحته الشخصية فهو متورط أصلاً في مشكلات وأزمات عدة بما فيها الحرب التجارية مع الصين التي تهدد نتائجها بحدوث ركود كبير في الاقتصاد الأمريكي.

ولا يبدو أن التصدعات المتزايدة في الإدارة الأمريكية تشكل مصدر قلق لترامب فبعد مضي نحو ثلاث سنوات من ولايته الأولى أصبح من الواضح أن رجل الأعمال يهتم بمصلحته الشخصية فقط، فيما تتجه الأنظار إلى البيت الأبيض لرؤية من سيكون التالي في قائمة المسؤولين الذين سيقيلهم ترامب أو يدفعهم إلى الاستقالة، في حين يتساءل بعض المراقبين بسخرية ما إذا كان ترامب سيجد أصلاً من يقيله في الأيام المقبلة.

طباعة

عدد القراءات: 5