آخر تحديث: 2019-11-17 02:46:24
شريط الأخبار

في تفكيك الجهل.. والجهل المركب!

التصنيفات: رؤى عربية

بين أيدي النّاس من «مكاسب» الجهل ما لايُحصى، وما مآزق العلم في التّصوّر والمنهاج سوى مظهر من مظاهر التباس العلم بالجهل لا يخفف عنه نقاء الاصطلاح، فلو تأمّلت مقدّمات العلم وأنحاءه وجملة الأدوات المستعملة في طريقه ومقدار الجهد الذي به- يكون المرء في عداد المجتهدين- لوجدت ثغرات في جدار هذا الذي يبدو علماً، وكل ناظر إلى مشربه.. فالعلم مراتب، بعضها يحصل فيه الشوق حسب قوة المرء وميله للعلم.. وهناك أخو الجهل وهو الاكتفاء بسطوحه ومظاهره، فليس المقدار ذاته من الشوق يحضر عند كل مرتبة من مراتبه.. وهكذا كان الناس طبقات في الشوق والسلوك والوصول والعلم.. بعض الطبقات من العلم بمنزلة جهل إزاء ما فوقها، فهناك من يكتفي بأوّل صيحة في العلم، وهناك من تؤهله كل مرتبة إلى مزيد من الكمالات، فيقضي عالِماً ومتعلّماً لأنّ الجهل يتربص بالمرء في كل مرحلة وفي كل مرتبة، فتدفق الوجود يقتضي تدفق المعرفة وإلاّ لحق الجهل به وقوضه ما استنفد أغراضه، فصار من بعد قوة ضعفاً.. ومن بعد علم جهلاً.
وإن كان الجهل أمراً عدميّاً والعلم أمراً وجوديّاً لمقام الوجدان ولاتحاد المعرفة بالوجود، فإنّنا نراه ليس عَدَمَاً محضاً بل هو وجود مكدور في أسفل الوجدان، فإن كان بسيطاً فهو وجود أدنى لكنه أنقى من حيث إنه مشوب بالشوق إلى العلم.. وإن كان مركباً فهو أسفل لكنه أكثر التباساً.. ليس في الجهل البسيط قطع سوى بالجهل لكن القطع في المركّب منه قطع موهوم بالعلم.. يُصيب الجاهل على النحو البسيط الواقع، لأنّه ينطلق من الواقع لكن يخطئ الجاهل على النحو المركب الواقع لأنه ينطلق من قطع مخالف له.
يبدو أن الجهل البسيط هو حالة وجودية أدنى لكنها تملك بذور الشوق إلى المعرفة، فبمجرد أن يوجد الشعور بالجهل توجد معه الباعثية للمعرفة، فهو إذاً مقدمة للعلم، هذا بينما الجهل المركب مانع من العلم نظراً لإحساس القاطع بعلمه بالاكتفاء، وعلى هذا الأساس قد نرى، وذلك خلافاً لمن عدّ المركب من أقسام العلم نظراً للقطع خلافاً للبسيط منه وهذا منظور إليه لأن القطع لا يفي بالغرض، بل سنذهب خلافاً لكل من سبق ولحق بأنّ الجهل البسيط هو بلحاظ ما ذكرنا هو شرط في العلم ومقدمة واجب لإحرازه، فلو لم نجهل ونشعر بالجهل، وتالياً حصول الشوق للمعرفة لما عرفنا، فلو خلق الإنسان جاهلاً بجهل مركب لما أدرك الواقع ولما علم شيئاً. فالجهل البسيط يلزم عنه ميل وإرادة للمعرفة، إذ إن الجاهل البسيط لا يشعر بالاكتفاء ولا يتجاهل المعرفة كما هو صاحب الجهل المركّب.
لا يثير الجهل البسيط أي مشكلة للعلم، فقضية الجاهل البسيط أن يتعلم، لكن المشكلة تكمن في صاحب الجهل المركّب، فهو يعاني ذُهاناً يجعله يعلم ولكنه يجهل أنه يجهل بخلاف الجاهل البسيط الذي يعلم أنه يجهل، ما الحل مع من يجهل أنه لا يعلم؟.
تبدو المهمة صعبة، فصاحب الجهل المركّب في وضعية معقدة، ذلك لأنّه لا مفرّ من أن يخضع كالحيوان الجلاّل إلى تطهير نفسي أولاً ثم إلى رياضة ذهنية ثانياً، وهذه عملية ليست بسيطة بل تتطلب جهداً جبّاراً وربما عولجت بالكيّ كما هي بعض الأمراض العضوية، فصاحب الجهل المركب قد يُصاب بعمى ألوان المغالطات، وربما يحتاج الكي لكي يميز بين الكيّ واللاّكيّ، وفي نهاية المشوار لابد من أن يمر من مرحلة أساسية وهي الجهل البسيط.
إنّ عملية إرجاع صاحب الجهل المركب إلى صاحب جهل بسيط عملية تفكيك قصوى، فإنّ توفق صاحبها بات على عتبة العلم حين يغمره إحساس طبيعي بالحاجة إلى المعرفة والميل إلى إحرازها، لكن عملية إرجاع صاحب الجهل المركب إلى الجهل البسيط أكثر خطورة من انتقال صاحب الجهل البسيط إلى العلم، ويكفي أنّ أوّل علم في مقام الجهل البسيط هو العلم بالجهل.
يَنتُج الجهل المركب عن تربية فاسدة وعن أطر تربوية وعلمية تحصر المعرفة حصراً منهجياً أو إيديولوجياً، فالجهل المركب إما نابع من بواعث نفسية ذاتية وإما هو نتيجة تلقين واستهتار بالأبعاد الممكنة للمعرفة، وإنّ الجهل المركب عادة ما ينتهي إلى انحطاط يظهر أكثر بل ينفضح أكثر على مستوى العقل العملي، ذلك لأنّ الآثار التكوينية للجهل المركّب تدرك في انسدادات العقل العملي، فالجهل المركب إن انحدر إلى العقل العملي أنتج انهياراً في النظام الأخلاقي كما يورث صاحبه انحجاباً عن المعرفة.
ولا شكّ في أنّ الجهل البسيط له مراتب ويستمر عبر السفر العقلي، إذ لكل مرتبة منه شوق متجدد للكمالات، فيكون المرء على مرتبة من العلم إزاء ما تحته وعلى جهل بسيط لما فوقه.. وهكذا بينما ماهية الجهل المركب واحدة ومرتبته واحدة لأنّه شكل من التعطيل لملكة الشوق إلى الاستزادة من العلم، والشوق إلى المعرفة ليس طلباً لها على سبيل المراء فذلك من أسباب الانحجاب، وليس ادعاء ومزاعم، لأنها من أعراض الجهل المركب المانع من المعرفة، وليس من أعراض الجهل البسيط المتشوق للكمالات.
ولئن أدركت ذلك فاعلم أنّ ما كان مدار الجهل البسيط هو الفطرة من حيث هي شوق وقابلية للكمالات في ممشى علمي تراتبي يبدأ من الكيف النفساني والوجود الذهني حتى منتهى الحقيقة المطلقة.. فالفطرة هي هذا الاستعداد كله وذلك الشوق كلّه وذلك الميل كلّه، ولقد وقعت أخطاء كبرى في فهم الفطرة سبق أن تناولنا بعضها حيث خلع البعض معاني الجهل المركب على الفطرة التي هي شوق للكمالات، غير أنه لا شك في أنّ الفطرة- بهذا المعنى وفي شوقها ذاك- تميل إلى كل ما يحقق ذلك الشوق والكمالات المُدركة حدساً.. وهنا تحصل النكبات في سوء تقدير واختيار طرق الكمالات.
ينشأ الجهل المركب داخل أنساق مغلقة، ويتم تهريب شوق الفطرة إلى الكمال إلى معان مغشوشة يتحكم فيها الجهل المركب الذي يَمنح لقطعه معنى القطع الفطري، علماً أنّ الفطرة في مقام الجهل تتوق إلى المعرفة ولا تطمئنّ إلى القطع.. لذا فإنّ السالك طريق العلم تكثر تساؤلاته ويحنّ إلى الجواب، بينما من بدأ بالقطع لن يعلم شيئاً، تلعب الإيديولوجيا المستنفدة عناصرها المعرفية دوراً كبيراً في إفساد الفطرة، وإفساد الفطرة يعني محق الشوق إلى المعرفة وتقويض الإحساس بالجهل البسيط.
زبدة القول إنّ العلم درجات، أهونها الوجود الذهني وإن الفطرة قابلية محضة، تبعث صاحبها نحو الشعور بالحاجة إلى المعرفة والإحساس بالفقر المعرفي والوجودي، وإن جهل الفطرة في المبتدأ هو جهل بسيط يذكي الشوق للمعرفة والكمال.. فلولا الإحساس بهذا الجهل لما حصل الشوق للمعرفة، وإن الجهل المركب لاعلاقة له بالفطرة.. لأنه يحمل حكماً زائفاً تجاه الأشياء.. وعلماً مغشوشاً بالأشياء.. وقطعاً يُورث يقيناً مزيفاً.. ويقطع الطريق عن العلم الحقيقي، فهو وإن بدا قطعاً وعلماً فهو من أقسام الجهل، فالقطع بخلاف الواقع ليس علماً به بل جهلاً، وحين انضاف إليه القطع بهذا الجهل.. صار جهلين.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed