تعد الولايات المتحدة الأمريكية أكبر القوى الاقتصادية العالمية، تليها الصين، لذلك، فإن الحرب التجارية التي اشتعلت بين القوتين الاقتصاديتين العظميين، تشغل بال العالم وتؤثر في اقتصاده. كانت العلاقات الاقتصادية بين البلدين مستقرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، بل إن البضائع الصينية كانت تتمتع بمعاملة جمركية خاصة في الولايات المتحدة منذ مطلع التسعينيات، هذا الاستقرار لم يمنع بعض المناوشات بين البلدين ولاسيما فيما يتعلق بسعر صرف «اليوان» الصيني.
استمر الاستقرار في علاقات البلدين، حتى مجيء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي خاض حملته الرئاسية تحت شعارات أهمها، تضييق فجوة العجز التجاري، واتهام شركاء الولايات المتحدة التجاريين باستنزاف الاقتصاد الأمريكي، وإطلاق اتهامات كاذبة للصين بشكل خاص، لذلك فما إن وصل إلى كرسي الرئاسة حتى أعلن مجموعة من الإجراءات التي نالت شركاء للولايات المتحدة منهم كندا والمكسيك، وطبعاً الصين.
بدأ ترامب الحرب التجارية في كانون الثاني 2018 عندما فرضت الإدارة الأمريكية تعرفة جمركية على الأنظمة الشمسية المستوردة من الصين، وعاد في آذار من العام نفسه لفرض تعرفة جمركية على مستوردات الألمنيوم، حينها «غرّد» ترامب: «الحروب التجارية جيدة، ومن السهل الفوز بها». وعاد في الشهر ذاته لفرض التعرفة نفسها على 1300 مادة مستوردة من الصين بدعوى «سرقة» الملكية الفكرية.
لحقت أوروبا بالموقف الأمريكي، وقدمت المفوضية التجارية الأوروبية شكوى بحق الصين إلى منظمة التجارة العالمية، تتعلق بفرض الحكومة الصينية شرطاً على منتجي السيارات الكهربائية الراغبين في العمل داخل البلاد، يقضي بمشاركة الملكية الفكرية، وإنشاء مراكز البحث والتطوير داخل الصين. وهو – حسب المفوضية الأوروبية – «يشكل إخلالاً» بشروط المعاملة العادلة التي تنص عليها اتفاقية التجارة الدولية.
انتظرت الصين حتى نيسان 2018، لترد على الإجراءات الأمريكية، وجاء ردها بفرض تعرفة جمركية على 125 صنفاً من البضائع الأمريكية، وهو ما ردت الولايات المتحدة عليه بقولها: «هذه الإجراءات ستسبب ألماً على المدى القصير، لكنها ذات فائدة استراتيجية»، رغم ذلك اتخذت الولايات المتحدة إجراءات انتقامية جديدة، بفرض تعرفة جمركية على بضائع صينية بقيمة 100 مليار دولار، وعاد ترامب لتغيير موقفه– كالعادة – «فغرد» قائلاً: «لا توجد حرب تجارية، تلك الحرب خسرها الأغبياء في الإدارات السابقة منذ زمن طويل، اليوم هناك عجز تجاري بقيمة 500 مليار دولار سنوياً، و«سرقة» ملكية فكرية بقيمة 300 مليار دولار، وهو أمر لا يمكن القبول باستمراره».
في أيار 2018 زار مستشار الرئيس الصيني للشؤون الاقتصادية واشنطن، وتم الاتفاق على تخفيض وتأجيل الإجراءات الأمريكية، مقابل تعهد صيني بشراء المزيد من البضائع الأمريكية، لم تصمد هذه الهدنة أكثر من أسبوعين، فقبل نهاية الشهر أعلنت الإدارة الأمريكية شمول بضائع صينية بقيمة 50 مليار دولار بتعرفة جمركية جديدة بنسبة 25%، ردت الصين في منتصف حزيران بفرض تعرفة جمركية بالنسبة نفسها، على بضائع أمريكية وبالقيمة نفسها.
في تشرين الثاني 2018 وقّع ترامب على الاتفاقية التجارية مع كل من كندا والمكسيك، التي نصت في إحدى موادها (المادة 30) على منع الصين من الاستفادة من شروط هذه الاتفاقية.
بعد حوالي خمسة شهور من الهدوء المشوب بالحذر، اندلعت الحرب من جديد في أيار 2019، بإعلان الولايات المتحدة رفع التعرفة الجمركية على بضائع صينية بقيمة 200 مليار دولار، من 10% إلى 25%، تبادل البلدان قرارات رفع التعرفات الجمركية، لكن الجولة الجديدة شهدت دخول سلاحين جديدين على خط الحرب التجارية، الأول كان أعمال الشغب التي اندلعت في هونغ كونغ التي حاول ترامب استغلالها لتقوية موقفه في المفاوضات التجارية، والثاني كان سماح البنك المركزي الصيني بانخفاض في سعر اليوان الصيني بنسبة وصلت إلى 2%، هذا التخفيض دفع ترامب إلى إطلاق «تغريدة» تشبه الصراخ قال فيها: «هؤلاء المتلاعبون بأسعار العملات، يلتهمون التعرفة الجمركية». لكن صندوق النقد الدولي رد على الشكوى الأمريكية التي تتهم الصين بـ«التلاعب» في أسعار العملة؛ بأن سعر اليوان الصيني منطقي، وسعر الدولار الأمريكي مبالغ فيه».
استبقت الصين، الجولة الجديدة من زيادة التعرفة الجمركية بتخفيض جديد في قيمة اليوان، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ 11 عاماً، وعادت بعد إقرار التعرفة إلى فرض تعرفة جمركية مقابلة على البضائع الأمريكية. لقد بدت الصورة صباح الثاني من أيلول وكأن حرب التعرفات الجمركية المتبادلة سوف تستمر إلى مالانهاية.
لكن نهاية الأسبوع جاءت بخبر استعداد البلدين لجولة جديدة من المفاوضات في تشرين الأول المقبل. التسريبات التي نقلتها وكالة «سي إن بي إس» تفيد باستعداد الصين لتقديم المزيد من التنازلات، بعد أن بدأت العقوبات الأمريكية تطول مشاريع مشتركة كبرى ومهمة بالنسبة للصين. ويركز تقرير الوكالة على إعلان شركة غوغل (الذي يبدو مبرمجاً) نقل تصنيع هواتف «بكسل» الذكية من الصين إلى فييتنام، إضافة إلى نيتها نقل تجميع المعدات الصوتية المتقدمة إلى تايلاند قبل نهاية العام.
بالنسبة لـ «سي إن إن» فإنها أبدت تفاؤلاً حذراً في إمكانية وصول محادثات تشرين الأول إلى نهاية سعيدة، وأظهرت معاناة اقتصاد الولايات المتحدة من تراجع ملموس، واستبعدت قيام الصين بالموافقة على الشروط الأمريكية، التي تعني ببساطة تغير بنية نظام الحكم في الصين، وإنهاء سيطرة الدولة على الاقتصاد، حسب تقديرات «سي إن إن» فإن الحد الأقصى من التنازلات سيتمثل في التزام الصين بشراء المزيد من البضائع الأمريكية، وبشكل خاص المنتجات الزراعية، مقابل تخفيف القيود الأمريكية على شركة «هواوي»، وبقية المنتجات الإلكترونية الصينية.
الحرب مستمرة، ولا يتوقع المراقبون أن تضع أوزارها قريباً، من دون نفي إمكانية إعلان هدنة من وقت إلى آخر، بعض المتشائمين يخشون انتقال الحرب من قاعات الأسواق المالية إلى ميادين المعارك.. ولذلك حديث آخر.

*كاتب من الأردن

طباعة
عدد القراءات: 80