آخر تحديث: 2019-11-17 02:46:24
شريط الأخبار

حصاد «الثورات» العربية المزعومة!

التصنيفات: رؤى عربية

لم تكن المرة الأولى التي تتم دعوتي للحديث عن «الثورات» العربية المزعومة التي انطلقت في نهاية 2010 وبداية 2011 في عدد من الدول العربية (تونس- مصر- اليمن- ليبيا– سورية) على التوالي وبشكل دراماتيكي وفي غضون ثلاثة أشهر لا غير، بل يمكن القول: إنه وعلى مدار ما يقرب من عقد من الزمان دعيتُ عشرات المرات للحديث عن هذه «الثورات» سواء في مؤتمرات أو ندوات أو لقاءات صحفية وبرامج حوارية عبر العديد من المنابر الإعلامية الإذاعية والتلفزيونية، هذا بخلاف عشرات المقالات للصحف والمواقع المصرية والعربية، لكن دعوتي الأخيرة اتسمت بالخصوصية الشديدة، ذلك لأن العنوان هو«الحصاد المر للثورات العربية» قراءة في أسباب فشل هذه «الثورات».
وكالعادة أعددت ورقة عمل وألقيت محاضرة عن الموضوع، ودارت المناقشات وكان بعضها هادئاً والبعض الآخر حاداً، وفي النهاية طلبت مني الجهة صاحبة الدعوة إجراء دراسة علمية بشأن المردود الاجتماعي والاقتصادي والسياسي «للثورات» العربية التي انطلقت قبل ما يقرب من عقد من الزمان، وبالطبع وافقت على إجراء الدراسة ولاسيما أنها واحدة من الظواهر الاجتماعية والسياسية التي أجريت عليها العديد من الدراسات عبر السنوات العشر الماضية وكنت دائماً ما أتحفظ على إجراء مثل هذه الدراسات نظراً لحداثة الظاهرة وعدم مرور وقت كافٍ للحكم عليها، لكن الآن ومع قرب استكمالها عقداً من الزمان فيمكننا تقييمها بشكل حقيقي وموضوعي وإصدار أحكام عليها عبر مجموعة من الأدلة والبراهين الواقعية، باستخدام منهجيات البحث في العلوم الاجتماعية.
وأثناء التفكير في صياغة إشكالية البحث الرئيسة كان السؤال الذي يدور في ذهني هو: ما الرؤية النظرية التي يجب استخدامها والاعتماد عليها في هذه الدراسة؟ وبعد تفكير عميق استقر في ذهني أن الرؤية النظرية التي يجب أن تنطلق منها الدراسة هي وبشكل محدد ومختصر «أن الثورات لا يحكم عليها إلا بنتائجها» وهذه الرؤية تطلبت وضع تعريف إجرائي للثورة يحددها في «إحداث تغيير جذري إيجابي في بنية المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بشكل أساسي» وبناءً عليه، فإذا لم تحقق الثورة – أي ثورة – التغيير الجذري الإيجابي في بنية المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإن الحكم عليها كثورة يكون محل شك، وتالياً يمكن توصيفها بأي شيء آخر غير أنها ثورة.
ومن هنا فالثورة دائماً ما تكون لها أهداف تسعى إلى تحقيقها، كما أن لها أسباباً ودوافع تختلف من مجتمع إلى آخر، لذلك حين نكون في صدد دراسة حصاد ما يسمى «الثورات» العربية، فيجب أولاً البحث عن أهداف وأسباب ودوافع كل ثورة بشكل منفرد ولا يمكن التعميم منذ البداية، فكل ثورة حالة متفردة بذاتها من حيث الأهداف والأسباب والدوافع، وهو ما ينعكس على النتائج أيضاً، وحتى لا نقفز على نتائج الدراسة التي سوف تعتمد على منهج دراسة الحالة باستخدام المقابلات المتعمقة مع بعض الخبراء والمثقفين من الدول العربية التي حدثت فيها هذه «الثورات» لكي يقدموا لنا قراءة من الداخل عما حدث داخل مجتمعهم على مدار السنوات العشر الماضية منذ انطلاق هذه الموجة «الثورية»، ليخبرونا عن المردود الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لهذه «الثورات» المزعومة؟
وقد يرى البعض أن حصاد «الثورات» العربية المزعومة لا يحتاج مثل هذه الدراسة، فالصورة أصبحت جلية وواضحة فالحصاد مر، والمردود الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يميل في كل المجتمعات العربية الخمسة إلى السلبي، فهناك ثلاثة مجتمعات تم تدميرها وتشريد شعوبها تحت مسمى «الثورة» المزعومة، ومجتمعان هما في أفضل الأحوال يسعيان للعودة إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قبل انطلاق هذه «الثورات» المزعومة من دون جدوى، وتالياً إذا كانت «الثورات» يحكم عليها بنتائجها فحصاد «الثورات» العربية يقول إنها ليست «بثورات» لأنها لم تحدث التغيير الجذري الإيجابي في بنية المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بل أحدثت تغييراً سلبياً على هذه المستويات.
لكن المسألة ليست بهذه البساطة.. قد تبدأ الدراسة بفرضية ترى أنها بالفعل ليست «ثورات» بناءً على التعريف الإجرائي التي تنطلق منه الدراسة ويحدد الثورة في «إحداث تغيير جذري إيجابي في بنية المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية» لكن هذه الفرضية تحتاج أدلة وبراهين علمية مستقاة من الواقع كي نؤكد صحتها أو خطأها، وهو ما نحتاجه في اللحظة الراهنة، وهو ما يمكن أن تضيفه هذه الدراسة لتحسم جدلاً طويلاً دار على مدار السنوات العشر الماضية حول ما أطلق عليه «الربيع العربي»، وهل هو ربيع بالفعل أم صيف شديد الحرارة، أم خريف عاصف بالأتربة، أم شتاء قارس البرودة؟.. والحكم في النهاية سيكون للمواطن العربي الذي يتلقى المردود الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لهذه «الثورات» سواء بالإيجاب أو السلب.. اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.

*كاتب من مصر

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed