في خواتيم الحرب العالمية الأولى، ذهب الرئيس الفرنسي كليمنصو إلى أنّ «كلّ قطرة بترول تساوي قطرة دم»، بمعنى أنّ البترول هو الدم الذي يجب ضخّه في جسد فرنسا في سبيل إبقائها على قيد الحياة، وبمعنى أنّ على الفرنسيين أن يكونوا مستعدّين لدفع أثمان البترول من دمائهم، وعليهم أن يريقوا دماء الآخرين بمن فيهم أصحاب الثروات النفطية في حال حدوث ما يقلق السلاسة التي يجري بها البترول صوب الغرب. ما كان يبدو مستغرباً وشديد الوطأة على التفكير الإنساني آنذلك لم يعد كذلك في هذه الأيام التي تشهد تدفيع البشرية أنهاراً غزيرة من الدماء مقابل كلّ قطرة بترول يلوح تعويق جريانها في حيّز الاحتمال, بمعنى أنّ وجود التعويق, والعرقلة, والجريان غير السلس, أمورٌ «يجب دفع الدم الغزير» لمنع اقترابها من مجرّد الاحتمال.
هذه الحال لا تخفى على أحد في العالم المعاصر، باستثناء معظم أصحاب منابع النفط الذين يُحلّون خصوبةَ النفط محلّ خصوبة الماء على طريقة (أبو قعبرة) في (ثعابين الأرشيف) الذي يتماهى مع «بغلته» التي تنتشله من غرقه في مستنقع الفائض النفطي. أبو قعبرة الذي انسحب في مجريات /الرواية/ إلى بعض زواياها هو الذي بيّن أن «الجنّة تحت أقدام المدافع» وهو الذي أكّد أنّ «الجنّة يستطيع الجهاديّون اقتحامها بالسيّارات المفخّخة», وعلى ذلك، كان العنصر الحيّ الأبرز في المشاهد الاختتامية للرواية، وأكثرها تغريباً ودلالة، حين تفيض صحارى العرب بموائعها الباطنية المكوّنة من البترول بدلاً من الماء المستعمل عادة في تخصيب أيّ قفر مجدب، والمعتمَد في المشهد البترولي العربي الصحراوي الآن أنّ من يملك السائل البترولي «يستطيع أن يشتري به سوائل الماء وغيره». لكنّ الإسراف في استنزاح آبار البترول، بناء على الطلب الأمريكي بقصد استقرار السوق النفطية، وإبقاء أسعار الطاقة على ما هي عليه من مواءمة لأمريكا يُغرق الصحارى والبوادي بفيضان بترولي مريع يذكّر القارئ بشتى الفيضانات العجيبة المسرودة في ثقافة الإنسان، هذا الإغراق بالفيضان البترولي كاد أن يودي بحياة (أبو قعبرة) نفسه لولا أنّ «البغلة» انتشلته في اللحظة الحاسمة، وذلك يعني أنّ هذه الطفرة المالية البترولية لن تُبقي من المنعمّين المحلّيين بها سوى شطرهم الغرائزي الذي تبقيه غريزة التشبّث بالحياة قادراً على انتشالهم مجرّدين من ثرواتهم وعزّهم الزائف، وإلحاقهم بدوابّهم التي تحتكر كلّ الفضل عليهم في إبقائهم على صورة البشر الأحياء.

طباعة

عدد القراءات: 81