نزيف الكوادر الطبية في السنوات الماضية كان كبيراً، وتأثيره كان صادماً، إذ باتت بعض المشافي العامة برمتها في درعا تعمل بطبيب أو اثنين فقط، وعيادات شاملة ومراكز صحية تفتقد معظم الاختصاصات، ما قلّص خدماتها إلى الحدود الدنيا.
بالتأكيد، الجهات المعنية ليس لديها عصا سحرية لتتمكن من ترميم النقص الحاصل بين ليلة وضحاها، لكنها لاشك قادرة على اتخاذ تدابير ووضع خطط كفيلة بتدارك النقص تدريجياً على المدى المنظور.
من أهم التدابير إتاحة المجال لقبول أكبر عدد ممكن من الطلاب في كليات الطب البشري لحاجة سوق العمل الماسة إلى مخرجاتها، عبر تهيئة كل الظروف الملائمة للتوسع بتلك الكليات وزيادة استيعابها ولو على حساب كليات أخرى لا يحتاج سوق العمل إلى معظم مخرجاتها.
أما خفض المعدلات لزيادة القبول فليس بمشكلة على المستوى التعليمي، لأن الفارق الكبير-كمثال- بين الحدّ الأدنى للقبول في مفاضلة السنة التحضيرية الطبية لأبناء الهيئة التدريسية ومن في فئتهم (وهو حق لا اعتراض عليه) والحدّ الأدنى للقبول العام في السنة نفسها (500 درجة)، يؤشر إلى أن نوعية التعلم ومستوى مقررات هذه السنة لا يحتاجان طلاباً بمعدلات عليا.
للعلم، في بلدان أخرى دراسة الطب ليست في أعلى سلم الدرجات، لكون فرص العمل متاحة لكل الشهادات الجامعية كما الطب، والدخول المادية المتحققة لجميعها تكاد تكون متقاربة، أما في بلدنا فإن الامتيازات الممنوحة لمهنة الطب في ظل قلة كوادرها الناتجة عن سياسية القبول الجامعي منذ سنوات طويلة جعلت منها الخيار الأول، إذ إن الطبيب بإمكانه مزاولة العمل في الدولة في الوقت نفسه الذي يزاول فيه العمل الخاص، سواء في عيادته أو في المشافي أو غيرها ما يحقق له دخلاً عالياً، بينما الصيادلة لا يمكنهم فتح صيدليات والمهندسون لا يحق لهم فتح مكاتب وكذلك الحقوقيون ممنوعون من مزاولة المحاماة والمعلمون لا يستطيعون ترخيص رياض أو مدارس خاصة إذا كانوا عاملين في الدولة، والأمثلة عن غيرهم كثيرة.
لهذا كله ينبغي تحقيق العدالة بنزع ثوب الامتيازات عن الطب الذي لا يكون إلا بعد زيادة نسب القبول الجامعي فيه وتلبية حاجة سوق العمل.

طباعة

عدد القراءات: 6