كان يتابعني في العديد من الـ«بازارات» الخيرية التي نقيمها كنوع من المساعدة لذوي الاحتياجات، ويحرص على مرافقتي في جميع المناسبات التي تقام ضمن هذا الإطار، وفي إحدى المرات طلب مني أن يعرّفني على أصدقائه الذين يشاركونه العمل بصنع بعض الكريمات الخاصة للسيدات.
ولأنه من ذوي الاحتياجات الخاصة حرصت على الاستماع إليه ولأصدقائه، ومساعدتهم من خلال الخبرة التي امتلكها ونصحتهم بإعطاء العبوات الخاصة بالكريمات شكلاً أنيقاً، لتكون العبوة مقبولة ومفيدة وجميلة وتشد انتباه الزبائن، خاصة أنه كانت لديهم الرغبة لشرح قصتهم من خلال مسرحية يقومون بتمثيلها لتصل أصواتهم للآخرين لشرح معاناتهم والصعوبات التي يعانونها.
ومع تأسيس «لمة أمل» التي أطلقت عليها التسمية السيدة رحاب الخجا- مديرة الفريق التطوعي أصبح العمل لدى هذه المجموعة- كما تقول في وقفة لـ«تشرين» معها- مميزاً ولافتاً للنظر ومفيداً لتلك المجموعة الصغيرة التي بدأت بخمسة، وفي أول «بازار» شاركوا فيه استطاعوا أن يحققوا ربحاً مقداره 85 ألف ليرة، فقلت لهم ليأخذ كل واحد منكم خمسة آلاف ليرة، وليتم وضع بقية المبلغ في صندوق خاص من أجل المشاركة في الـ «بازارات» المقبلة، ولتوسيع دائرة نشاطاتهم بشكل يحقق لهم الاكتفاء الذاتي، وتالياً عدم احتياجهم للآخرين.
محو الأمية
وفي المنحى الآخر، كان هناك نشاط من نوع آخر لفريق «لمة أمل» التطوعي، وكانت صاحبة المبادرة في ذلك حنان الرحيم وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة، التي حرصت على مساعدة بعض الفئات من خلال الجانب التعليمي لمحو الأمية، وكانت البداية بخمسة طلاب في ملعب تشرين، قبل أن يزداد العدد وتلجأ إلينا بعد أن أخفقت في الحصول على مكان معين لمساعدة هؤلاء، فكان التواصل مع المركز الثقافي في أبو رمانة من خلال السيدة رباب التي تجاوبت مشكورة، وحرصت على تأمين غرفة خاصة بتلك الفئة، و قد انضم إلى الفريق العديد من المتطوعين الذين حرصوا على المساعدة في هذا المجال، لنقوم مؤخراً بتخريج 60 منهم بأعمال مختلفة تبدأ من 14 وحتى 50 عاماً.
تضيف الخجا: نسعى لتحقيق دمجهم في المجتمع، لأنه من الصعوبة بمكان حين يكون أي واحد منهم يجلس مع أفراد أسرته في البيت، ومن دون تواصل مع الآخرين أن يحقق ذاته ويشعر بالراحة والسعادة، خاصة أن هؤلاء، كما وجدنا على أرض الواقع ومن خلال المتابعة، مبدعون ولديهم قدرات عالية مكبوتة بحاجة إلى من يرعاها.
أشكال متعددة
أما أشكال الإعاقة، بحسب الخجا، فهي متعددة؛ فمنها الجسدية والشلل الدماغي ومتلازمة داون والتوحد، ولا نقف عند أي حالة تردنا، ونحاول من خلال التعاون والتعاضد بين أفراد الفريق تأمين مستلزمات العمل لأنه لا يوجد لدينا أي دعم خارجي، وقدم مجموعة من الشباب المساعدة في تأمين دفاتر الرسم والتلوين كأحد البرامج في محو الأمية التي توجهنا إليها، علماً أن الإعاقة تخلق حالة من الإبداع والطاقة، ولنتذكر كلاً من طه حسين وبيتهوفن وغيرهما من العباقرة.
«منحبكم .. حبّونا»
حين أطلقنا على مبادرتنا الأخيرة بالنسبة لمحو الأمية «منحبكم حبّونا» كنا نتعمد، وفقاً لمديرة الفريق التطوعي «لمة أمل»، الوصول إلى الجميع لمساعدة تلك الفئة، ولاسيما أنهم حين يفقدون الأبوين تبدأ المعاناة الكبرى والحقيقية لهم، لكونهم لن يجدوا من يلجؤون له، ولابد من أن تتوافر الأماكن الخاصة لهم، لكيلا يكون مصيرهم الشارع، لأن الحالات التي أصابتهم غير مسؤولين عنها، فإما أن تكون بسبب عامل وراثي، أو من خلال أخطاء طبية دفعوا ثمنها.
مشروعنا طموح ومهم وبحاجة إلى تمويل لأن أعداد هؤلاء تزداد، وخاصة بعد الحرب التي فرضت على وطننا الغالي، ونأمل أن نحقق الأماني والتطلعات لرسم البسمة على وجوه هؤلاء، وأن تسعى الجمعيات الأهلية لتكون لديها برامج هادفة ضمن هذا الإطار.
صاحبة المبادرة في محو الأمية
بدورها حنان الرحيم- صاحبة المبادرة في محو الأمية لتلك الفئة لم تثنها الإعاقة عن تحقيق طموحها فهي طالبة سنة ثالثة مكتبات ومعلومات في التعليم الرسمي، وسنة أولى في إدارة المشاريع في التعليم المفتوح، وعن مبادرتها تقول:
بدأت الفكرة حين كنت أتدرب مع مجموعة من ذوي الاحتياجات في ملعب تشرين، وقلت لبعض الأمهات، لماذا لا يدرس أولادكم.. فردّوا «ما إلهم مدارس والمدارس الخاصة غالية جداً علينا»، وعندها بادرت في العمل على محو الأمية وبدأت بخمسة طلاب، وحين كبر العدد حاولت مع وزارة الثقافة، وكذلك وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لتأمين مكان لتعليمهم بشكل تطوعي.. لم أوفق في هذا الأمر إلى حين توجهت للسيدة رحاب الخجا التي تمكنت من تأمين غرفة لنا في المركز الثقافي أبو رمانة، لنتواصل مع برنامج تعليم الكبار في وزارة التربية الذين أبدوا كل تعاون ممكن، ومع زيادة العدد توجهنا إلى مدرسة نصير شورى في البرامكة ليصل العدد الآن إلى 90 طالباً وطالبة. ورسالتنا من ذلك أن هؤلاء منتجون وليسوا «عالة» على أحد، فبدأنا نعلمهم الحِرَف المختلفة ليملكوا المقدرة على إعالة أنفسهم، ونأمل في المستقبل القريب أن تتوافر لهم أماكن الإيواء المناسبة أسوة بدار السعادة على سبيل المثال.
تجاوبهم مميز
لا تشعر صباح الدخيل بالتعب لما تقدمه من إشراف على طلاب المدرسة الخاصة بذوي الاحتياجات في مدرسة نصير شورى وتحاول بذل أقصى جهد ممكن لتأمين ما يطلبه المعنيون، فلدى المدرسة، كما تشير الدخيل، 62 طالباً وطالبة حالياً، وتعتمد في المناهج على دائرة تعليم الكبار في وزارة التربية، وتقدم وزارة الثقافة كتباً أولية تحتوي على الأحرف والكلمات ونعمل على التوصيل بين المقاطع والصور وفق عملية تأسيسية، وأحرص على إضافة مهارات أخرى من خلال تخصصي في التربية الخاصة تتعلق بالعناية بالذات والمهارات اليومية والاعتماد على الذات وكيفية التعامل مع الناس، خاصة أن تجاوبهم كان مميزاً، من خلال دمجهم بالرسم والحاسوب والرسم على الزجاج، إضافة للمبادئ الأساسية في كيفية العد والتمييز بين الألوان.
ولدي توءم توحد يملك من الذكاء ما نعجز عن مجاراته، وآمل أن يكون لهم ولغيرهم العناية والاهتمام اللازمين، مع العلم أننا نستقبل ما بين 4-5 طلاب جدد كل يوم، وآمل أن تكون لهم مدرسة مثل دار السعادة، وخاصة للذين يفتقدون الأهل لينعموا بالحياة.

طباعة

عدد القراءات: 44