ما تسارعَتْ خطاي قطُّ وأنا أعبر مكاناً كُتب عنه في صفحات التّاريخ، لأنّ إيقاع الخطا مرتبطٌ حتماً بنبض القلب وذاكرة العقل، كما حين دخلتُ قلعة «صلاح الدّين» التي سكنها يوماً «الظّاهر بيبرس» ومررتُ بردهاتها الفسيحة وأنا أسمع صهيل خيوله تحت تلك الأقواس العالية، وسقسقة الماء في الأجران المُعَدّة لسقياها، وكما شممت رائحة الطعام المطهو في مطبخ «فخري البارودي» حين عبرتُ عتبة قصره المتواضع في حيّ «القنوات» الدمشقيّ، وكان قد خلا من أهله وسكّانه، منذ أكثر من أربعين عاماً!
ما يلبث الظلُّ الإنسانيّ العالي، أن يمتدّ عبر السنين، وفوق حدود الأمكنة، ليهيمن على الروح ويكاد يعيش معها لا يفارقها، وكم تركتُ هذه الرّوح في تجوالها تنقاد تلقائيّاً إلى حيث أشخاصٌ لا يموتون! لكن أن تجمعني المصادفة بواحد من هؤلاء من دون ترتيب ومن دون قصد، وأن يأتي اللقاء عبر تفصيل صغير يشبه نداء يمامة طويل في ضحى يوم حار، فتلك هي سعادة الحصول على نبعة ماء في صحراء! كان بيتاً شعرياً قرأته على قصاصة ورق: -حلمٌ على جنبات الشّامِ أم عيدُ؟ لا الهمُّ همٌّ ولا التّسهيدُ تسهيدُ!.
ورنّ اسمُ الشّاعر «شفيق جبري» في بحيرة واسعة من خواطر مضطربة، إذ لا يكفي أن أعرف أنّه شاعرُ الجلاء، من دون تفاصيل أخرى عن حياة عاشها، وحياةُ الشّاعر، أيِّ شاعر، هي أطول وأغنى من عشرات الدّواوين! وُلِد «شفيق» قبل أن ينتهي القرن التاسع عشر بعامين، لكنّه نُسِبَ إلى القرن العشرين، حيث عاصر استعمارين: العثماني الذي ارتكب جريمة إعدام خيرة مفكّرينا وأعلامنا في السّادس من أيّار، ثم الفرنسي الذي ناهضه بقوّة وحرّضَ على الثورة ضدّه، بعد أن أشبعتْه قراءاته ودراستُه بالانتماء الوطنيّ والقوميّ…
في حياته الخاصة، قيل إنه كان ميّالاً للعزلة والتأمّل والحزن، ولم يتزوّج، هو الذي امتدّ عمره اثنين وثمانين عاماً، وترك ديواناً شعرياً واحداً عنوانه «نوح العندليب» واستخدم معارفه في كتابين: «أنا والشِّعر» و«أنا والنّثر» واستثمر رحلاته إلى أمريكا وأوروبا في ثلاثة كتب: «بين البحر والصّحراء» و«أرض السحر» و«على صخور صقلية» وقضى أيامه الأخيرة في بلودان بعيداً عن صخب المدينة! ومن كل سيرته أحببت أنه كان من أبناء الشّاغور! الحيِّ الذي يجاورني، وفيه جارٌ من أعلام عصره…

طباعة

عدد القراءات: 128